تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وقال بعضهم : أوّل مراتب العشق الميل إلى المحبوب ، ثم العلاقة ، ثم الحب ، ثم يستحكم الهوى فيصير مودّة تزيد بالمؤانسة ، وتدرس بالجفاء والأذى ، ثم الخلَّة ، ثم الصّبابة ( وهى رقة الشوق ) تولَّدها الألفة ، ويبعثها الإشفاق ، ويهيجها الذكر ، ثم تصير عشقا . وهو على أضرب . فمبدؤه يصفى الذهن ، ويهذّب العقل . كما قال ذو الرياستين لأصحابه : « اعشقوا ، ولا تعشقوا حراما ! فإن عشق الحرام يطلق اللسان ويرفع التبلَّد ويطلق كفّ البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى الذكاء ، فإذا زاد ؛ مرض الجسد ، فإذا زاد ؛ أخرج العقل وأزال الرأي فاستهلك ، ثم يترقّى فيصير ولها ، ويسمّى ذو الوله مدلَّها ، ومستهاما ، ومستهترا ، وحيران ؛ ثم بعدها التتيّم فيدعى متيّما ، والتتيّم نهاية الهوى ، وآخر العشق ؛ ومن التتيّم يكون الداء الدّوىّ ، والجنون الشاغل » . وقال بعض الحكماء : أوّل الحب العلاقة ( وهو شئ يحدثه النظر أو السمع فيخطر للبال ، ويعرض للفكر ، ويرتاح له القلب ، ثم ينمى بالطمع ، واللَّجاج ، وإدمان الذكر ) ، ثم يقوى فيصير حبّا ، ثم يصير هوى ، ثم يصير خلَّة ، ثم عشقا ، ثم ولها ، فيسمّى صاحبه مدلَّها ، ومستهاما ، وهائما ، وحيران ، ثم يصير متيّما ، وهو أرفع منازل الحب ، لأن التتيم التعبّد ؛ والوجد ألم الحب ، والهيمان الذهاب في طلب غرض لا غاية له ؛ والكلف والشّغف اللَّهج بطلب الغرض . وقال الفرّاء : اللَّوعة ، حرقة القلب من الحب . وقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام : العلاقة الحب اللازم للقلب ؛ والجوى الهوى الباطن ؛ واللَّوعة حرقة الهوى ؛ واللاعج الهوى المحرق ؛ والشّغف أن يبلغ الحب شغاف القلب ( وهو جلد دونه ) ؛ والتّتيم أن يستعبده الهوى ؛ والتّبل أن يسقمه الهوى ،