تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ومذاهبه غامضة ، وأحكامه جائرة ؛ ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والعقول وآراءها ، وأعطى عنان طاعتها ، وقيود تصرفها ، توارى عن الأبصار مدخله ، وغيض في القلوب مسلكه ! فقال له المأمون : أحسنت واللَّه ، يا ثمامة ! وأمر له بألف دينار . وحكى عن الفضل بن يعقوب : قال لما اجتمع ثمامة بن أشرس ، ويحيى بن أكثم عند المأمون ، قال ليحيى : خبّرنى عن العشق ما هو ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ، ويهيم بها تسمّى عشقا ! فقال له ثمامة : يا يحيى ، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا ، ونحن بهذا أحذق منك ! فقال المأمون : فهات ما عندك ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إذا امتزجت خواطر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضىء به نواظر العقول ، ويتصوّر من ذلك اللمح نور خاص بالنفوس متصل بجواهرها يسمّى عشقا ! فقال له المأمون : صدقت ، هذا وأبيك الجواب ! وحكى عن الأصمعىّ ، قال : دخلت على هارون الرشيد ، فقال : يا أصمعىّ ، إني أرقت ليلتي هذه ، فقلت : ممّ ؟ أنام اللَّه عين أمير المؤمنين ، قال : فكَّرت في العشق ممّ هو ، فلم أقف عليه ، فصفه لي حتّى إخاله جسما مجسما ! قال الأصمعىّ : لا واللَّه ما كان عندي قبل ذلك فيه شئ فأطرقت مليّا ، ثم قلت : نعم يا سيّدى ، إذا تقاربت الأخلاق المشاكلة وتمازجت الأرواح المشابهة ، لمح نور ساطع يستضىء به العقل ، وتهتز لإشراقه طباع الحياة ، ويتصوّر من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمّى العشق ! فقال : أحسنت واللَّه ! يا غلام ، أعطه وأعطه وأعطه ! فأعطيت ثلاثين ألف درهم .