ما ولّى قطّ عن احد منهم ظهره ، و لا انهزم عن احد منهم ، و لا تزحزح عن مكانه ، و لا هاب أحدا من اقرانه و لم يلق احد سواه خصما له في حرب إلّا و ثبت له حينا و انحرف عنه حينا ، و اقدم عليه وقتا و احجم عنه زمانا و إذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت ما ذكرناه من انفراده بالآية الباهرة و المعجزة الظّاهرة ، و خرق العادة فيه بما دلّ اللّه به على إمامته ، و كشف به عليه السّلام عن فرض طاعته ، و أبانه بذلك من كافّة خليقته .
فصل
و من آياته عليه السّلام و بيّناته الّتي انفرد بها ممّن عداه ، ظهور مناقبه في الخاصّة و العامّة و تسخير الجمهور لنقل فضائله ، و ما خصّه اللّه به من كرائمه و تسليم العدوّ من ذلك بما فيه الحجّة عليه ، هذا مع كثرة المنحرفين عنه و الأعداء له ، و توفّر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله و جحد حقّه ، و كون الدّنيا في يد خصومه و انحرافها عن اوليائه ، و ما اتّفق لأضداده من سلطان الدّنيا و حمل الجمهور على إطفاء نوره ، و دحض امره ، فخرق اللّه العادة بنشر فضائله و ظهور مناقبه ، و تسخير الكلّ للإعتراف بذلك و الإقرار بصحّته ، و اندحاض ما احتال به اعداؤه في كتمان مناقبه ، و جحد حقوقه حتّى تمّت الحجّة له ، و ظهر البرهان لحقّه ، و لمّا كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه فيمن اتّفق له من اسباب خمول امره ما اتّفق لأمير المؤمنين عليه السّلام ، فانخرقت العادة فيه ، دلّ ذلك على بينونته من الكافّة بباهر الآية على ما وصفناه .
و قد شاع الخبر و استفاض عن الشّعبيّ انّه كان يقول : لقد كنت اسمع خطباء بني اميّة يسبّون امير المؤمنين علىّ بن ابى طالب عليه السّلام على منابرهم ، فكأنّما يشال بضبعه إلى السّماء ، و كنت اسمعهم يمدحون اسلافهم على منابرهم ، فكأنّما يكشفون عن جيفة .
و قال الوليد بن عبد الملك لبنيه يوما : يا بنىّ عليكم بالدّين فإنّي لم أر الدّين بنى شيئا فهدمته الدّنيا ، و رأيت الدّنيا قد بنت بنيانا فهدمه الدّين ، ما زلت أسمع أصحابنا و أهلنا يسبّون علىّ بن أبى طالب عليه السّلام و يدفنون فضائله ، و يحملون النّاس على شنآنه ، فلا يزيده ذلك من القلوب إلّا قربا ، و يجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق فلا يزيدهم ذلك من القلوب إلّا بعدا .
و فيما انتهى إليه الأمر من دفن فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام و الحيلولة بين العلماء و نشرها ما لا شبهة فيه على عاقل ، حتّى كان الرّجل إذا أراد أن يروى عن أمير المؤمنين عليه السّلام رواية لم يستطع ان يضيفها إليه بذكر اسمه و نسبه ، و تدعوه الضّرورة إلى أن يقول : حدّثني رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، أو يقول : حدّثني رجل من قريش ، و منهم من يقول : حدّثني أبو زينب .
و روى عكرمة عن عائشة في حديثها له به مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وفاته فقالت في جملة ذلك : فخرج رسول اللّه متوكّئا على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل بن العبّاس ، فلمّا حكى عنها ذلك لعبد اللّه بن العبّاس قال له : أتعرف الرّجل الآخر ؟ قال لا لم تسمّه لي ، قال : ذاك علىّ بن أبى طالب و ما كانت امّنا تذكره بخير تستطيع .
الإرشاد ( فارسى ) — صفحة 346
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٣٤٦