و بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله قبل حلمه ، و هذا هو معنى قول اللّه تعالى في يحيى عليه السّلام :
وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا )
إذ لا حكم أوضح من معرفة اللّه ، و أظهر من العلم بنبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و أشهر من القدرة على الإستدلال ، و أبين من معرفة النّظر و الإعتبار ، و العلم بوجوه الإستنباط ، و الوصول بذلك إلى حقائق الغائبات ، و إذا كان الأمر على ما بيّناه ثبت أنّ اللّه تعالى خرق العادة في أمير المؤمنين عليه السّلام بالآية الباهرة الّتى ساوى نبيّيه اللّذين نطق القرآن بآياته العظمى فيهما على ما شرحناه .
فصل
و من آيات اللّه عزّ و جلّ الخارقة للعادة في أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه لم يعهد لأحد من مبارزة الأقران ، و منازلة الأبطال مثل ما عرف له عليه السّلام من كثره ذلك على مرّ الزّمان ، ثمّ إنّه لم يوجد في ممارسى الحروب إلّا من عرته بشرّ و نيل منه بجراح اوشين إلّا امير المؤمنين ، فإنّه لم ينله مع طول مدّة زمان حربه جراح من عدوّ و لا شين ، و لا وصل إليه احد منهم بسوء حتّى كان من امره مع ابن ملجم لعنه اللّه على اغتياله إيّاه ما كان ، و هذه اعجوبة افرده اللّه بالآية فيها و خصّه بالعلم الباهر في معناها ، فدلّ بذلك على مكانه منه و تخصّصه بكرامته الّتى بان بفضلها من كافّة الأنام .
فصل
و من آيات اللّه تعالى فيه عليه السّلام انّه لا يذكر ممارس للحروب الّتي لقى فيها عدوّا الّا و هو ظافر به حينا ، و غير ظافر به حينا و لا نال احد منهم خصمه بجراح إلّا و قضى منها وقتا و عوفي منها زمانا ، و لم يعهد من لم يفلت منه قرن في الحرب ، و لا نجا من ضربته احد فصلح منها إلّا امير المؤمنين عليه السّلام فإنّه لا مرية في ظفره بكلّ قرن بارزه ، و إهلاكه كلّ بطل نازله ، و هذا ايضا ممّا انفرد به عليه السّلام من كافّة الأنام ، خرق اللّه جلّ و عزّ به العادة في كلّ حين و زمان ، و هو من دلائله الواضحة عليه السّلام .
فصل
و من آيات اللّه تعالى فيه ايضا انّه مع طول ملاقاته للحروب و ملابسته إيّاها و كثرة من منى به فيها من شجعان الأعداء و صناديدهم ، و تجمّعهم عليه و احتيالهم في الفتك به ، و بذل الجهد في ذلك ،