فمن ذلك ما ساوى به نبيّين من أنبياء اللّه و رسله ، و حجّتين له على خلقه مالا شبهة في صحّته و لا ريب في صوابه ، قال اللّه عزّ و جلّ في ذكر المسيح عيسى بن مريم روح اللّه و كلمته و نبيّه و رسوله إلى خليقته ، و قد ذكر قصّة والدته في حملها له و وضعها إيّاه و الأعجوبة في ذلك
( قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا * قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا )
و كان من آيات اللّه تبارك و تعالى في المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام نطقه في المهد و خرق العادة بذلك ، و الأعجوبة فيه و المعجز الباهر لعقول الرّجال ، و كان من آيات اللّه تعالى في أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب عليه السّلام كمال عقله ، و وقاره و معرفته باللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله ، مع تقارب سنّه و كونه على ظاهر الحال في عداد الأطفال حين دعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى التّصديق به و الإقرار ، و كلّفه العلم بحقّه و المعرفة بصانعه و التّوحيد له ، و عهد إليه في الإستسرار بما أودعه من دينه و الصّيانة له و الحفظ ، و أداء الأمانة فيه ، و كان : عليه السّلام إذ ذاك على قول بعضهم من أبناء سبع سنين ، و على قول بعض آخر من أبنآء تسع و على قول الأكثرين من أبنآء عشر ؛ فكان كمال عقله عليه السّلام و حصول المعرفة له باللّه و برسوله صلّى اللّه عليه و آله آية للّه تعالى فيه باهرة خرق بها العادة و دلّ بها على مكانه منه ، و اختصاصه به و تأهيله لما رشّحه له من إمامة المسلمين ، و الحجّة على الخلق أجمعين ، فجرى في خرق العادة لما ذكرناه مجرى عيسى و يحيى عليهم السّلام بما وصفناه ، فلولا أنّه كان في تلك الحال كاملا وافرا و باللّه تعالى عارفا لما كلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الإقرار بنبوّته ، و لا ألزمه الإيمان به و التّصديق لرسالته ، و لا دعاه إلى الإعتراف بحقّه ، و لا افتتح الدّعوة به قبل كلّ أحد من النّاس سوى خديجة عليهم السّلام زوجته ، و لما ائتمنه على سرّه الّذى أمر بصيانته ، فلمّا أفرده النّبىّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك من أبنآء سنّه كلّهم في عصره ، و خصّه به دون من سواه ممّن ذكرناه ، دلّ ذلك على أنّه عليه السّلام كان كاملا مع تقارب سنّه ، و عارفا باللّه تعالى