الغربي ، وله نيف ( 1 ) وثمانون سنة . . . وكان صدوقا ، عالما ، فصيحا ،
جوادا ، عفيفا ، زاهدا ، عابدا ، ناسكا ، وكان مع ذلك ضاحك السن ،
ظريف الطبع . . . ولم يكن معه تكبر ولا تجبر ، [ و ] ربما مزح مع أصدقائه
بما يستحسن ( 2 ) منه ، ويستقبح من غيره ، وكان شيخ البغداديين في وقته ،
وظريفهم ، وزاهدهم ، وناسكهم ، ومسندهم في الحديث ، وكان يتفقه
لأهل العراق ، وكان له مجلس في [ المسجد ] الجامع الغربي يوم
الجمعة ، فأخبرني إبراهيم بن جابر ، قال : كنت أجلس في حلقة
إبراهيم الحربي ، وكان يجلس إلينا غلامان في نهاية الحسن والجمال من
الصورة والبزة ( 3 ) ، وكأنهما روح ( 4 ) في جسد ، إن قاما قاما معا ، وإن
حضرا ، فكذلك ، فلما كان في بعض الجمع ، حضر أحدهما [ و ] قد بان
الاصفرار بوجهه والانكسار [ في عينيه ] . . . ، فلما كانت الجمعة
[ الثانية ] ، حضر الغائب ، ولم يحضر الذي جاء في الجمعة الأولى منهما ،
وإذ الصفرة والانكسار بين ( 5 ) في لونه . . . وقلت : إن ذلك للفراق الواقع
بينهما ، وذلك للألفة الجامعة لهما ، فلم يزالا يتسابقان في كل جمعة إلى
الحلقة ، فأيهما سبق [ صاحبه ] إلى الحلقة لم يجلس الآخر . . . فلما كان
في بعض الجمع ، حضر أحدهما فجلس [ إلينا ] ، ثم جاء الآخر [ فأشرف
على الحلقة ] فوجد صاحبه قد سبق ، وإذا المسبوق قد أخذته ( 6 )
العبرة ، فتبينت ذلك منه في دائرة ( 7 ) عينيه ، وإذا في يسراه رقاع صغار
هامش
( 1 ) في " مروج الذهب " : " خمس " .
( 2 ) في الأصل : " يستحيى " ، وما أثبتناه هو الصواب ، والموافق لما في " المروج " .
( 3 ) في " مروج الذهب " زيادة هنا : " من أبناء التجار من الكرخيين ، وبزتهما واحدة " .
( 4 ) في " المروج " : " روحان " .
( 5 ) في " المروج " : " أبين " .
( 6 ) في " المروج " : " خنقته " .
( 7 ) في " المروج " : " حماليق " .