على باب داره ، فسلمنا وجلسنا ، فجعل يقبل علينا ، فلما أكثرنا عليه ،
حدثنا حديثين ، ثم قال لنا : مثل أصحاب الحديث مثل الصياد الذي يلقي
شبكته في الماء ، فيجتهد ، فإن أخرج سمكة ، وإلا أخرج صخرة .
قال أحمد بن جعفر بن سلم : حدثنا شيخ لنا ، قال : قيل لإبراهيم
الحربي : هل كسبت بالعلم شيئا ؟ قال : كسبت به نصف فلس : كانت أمي
تجري علي كل يوم رغيفين ، وقطيعة فيها نصف دانق ، فخرجت في يوم
ذي طين ، وأجمع رأيي على أن آكل شيئا حلوا ، فلم أر شيئا أرخص من
الدبس ، فأتيت بقالا ، فدفعت إليه القطيعة ، فإذا فيها قيراط إلا نصف
فلس ، وتذاكرنا حديث السخاء والكرم ، فقال البقال : يا أبا إسحاق ! أنت
تكتب الاخبار والحديث ، حدثنا في السخاء بحديث ، قلت : نعم . حدثني
أبو بكر عبد الله بن الزبير ، حدثنا أبي ، عن شيخ له ، قال : خرج عبد الله
ابن جعفر إلى ضياعه ينظر إليها ، فإذا في حائط لنسيب له عبد أسود ، بيده
رغيف وهو يأكل لقمة ، ويطرح لكلب لقمة ، فلما رأى ذلك استحسنه ،
فقال : يا أسود ! لمن أنت ؟ قال : لمصعب بن الزبير . قال : وهذه الضيعة
لمن ؟ قال : له . قال : لقد رأيت منك عجبا ، تأكل لقمة ، وتطرح للكلب
لقمة ! قال : إني لأستحيي من عين تنظر إلي أن أوثر نفسي عليها . قال :
فرجع إلى المدينة ، فاشترى الضيعة والعبد ، ثم رجع ، وإذا بالعبد ، فقال :
يا أسود ! إني قد اشتريتك من مصعب . فوثب قائما ، وقال : جعلني الله
عليك ميمون الطلعة . قال : وإني اشتريت هذه الضيعة . فقال : أكمل الله
لك خيرها . قال : وإني أشهد أنك حر لوجه الله . قال : أحسن الله جزاءك .
قال : وأشهد الله أن الضيعة مني هدية إليك . قال : جزاك الله بالحسنى . ثم
قال العبد : فأشهد الله وأشهدك أن هذه الضيعة وقف مني على الفقراء .
سير أعلام النبلاء — صفحة 363
مساهمون: الذهبي
ص٣٦٣