تهيأ للركوب ، فلبس خفيه ، وتعمم ، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو
نحوها ، وأنا آخذ بعضده ، ورجل أخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها ، فقال
رحمه الله : أرسلوني ، فقد ضعفت . فدعا بدعوات ، ثم اضطجع ،
فقضى رحمه الله . فسال منه ( 1 ) العرق شئ لا يوصف . فما سكن منه
العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه . وكان فيما قال لنا ، وأوصى إلينا أن كفنوني
في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك . فلما دفناه
فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك ، فدام ذلك أياما ، ثم
علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره ، فجعل الناس
يختلفون ، ويتعجبون . وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر ، حتى
ظهر القبر ، ولم نكن نقدر ( 2 ) على حفظ القبر بالحراس . وغلبنا على
أنفسنا ، فنصبنا على القبر خشبا مشبكا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى
القبر فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب ، ولم يكونوا يخلصون إلى
القبر . . وأما ريح الطيب فإنه تداوم أياما كثيرة ، حتى تحدث أهل البلدة ،
وتعجبوا من ذلك ، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته ، وخرج بعض
مخالفيه إلى قبره ، وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم
المذهب ( 3 ) .
قال محمد بن أبي حاتم : ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده
إلا القليل ، وأوصى أن يدفن إلى جنبه .
هامش
( 1 ) في " طبقات السبكي " 2 / 233 : فسال منه من العرق شئ لا يوصف وفي " مقدمة
الفتح " : ثم سال منه عرق كثير .
( 2 ) في " طبقات السبكي " 2 / 233 : ولم يكن يقدر .
( 3 ) خبر مرضه ووفاته بطوله في " طبقات السبكي " 2 / 233 ، 234 ، و " مقدمة
الفتح " : 494 .