نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة
والمدينة أني قلت : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب . فإني لم أقله ، إلا
أني قلت : أفعال العباد مخلوقة ( 1 ) .
وقال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي : سمعت مسلم بن الحجاج
يقول : لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به
أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه مرحلتين وثلاثة . فقال محمد بن يحيى
في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله .
فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا
محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شئ من الكلام ، فإنه إن أجاب بخلاف
ما نحن فيه ، وقع بيننا وبينه ، ثم شمت بنا كل حروري ، وكل رافضي ،
وكل جهمي ، وكل مرجئ بخراسان . قال : فازدحم الناس على محمد
ابن إسماعيل ، حتى امتلا السطح والدار ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث ،
قام إليه رجل ، فسأله عن اللفظ بالقرآن ، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا
من أفعالنا . فوقع بينهم اختلاف ، فقال بعض الناس : قال : لفظي بالقرآن
مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، حتى تواثبوا ، فاجتمع أهل الدار ،
وأخرجوهم ( 2 ) .
هامش
( 1 ) " تاريخ بغداد " 2 / 32 ، و " طبقات السبكي " 2 / 230 ، و " مقدمة الفتح " :
492 .
( 2 ) إن البخاري والكرابيسي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي متفقون كلهم
على أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه ، لا يختلفون في ذلك ، كما هو واضح من أقوالهم المأثورة
عنهم . لكنهم اختلفوا في قول الانسان : لفظي بالقرآن مخلوق ، أو غير مخلوق . فأنكر ذلك
الإمام أحمد والذهلي . لان اللفظ يراد به أمران : أحدهما الملفوظ نفسه ، وهو غير مقدور
للعبد ، ولا فعل له فيه ، والثاني التلفظ به والأداء له ، وهو فعل العبد . فإطلاق الخلق على
اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو
خطأ ، فمنعا الاطلاقين . فيقولون : التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن ، والمتلو هو القرآن
المسموع بالآذان بالأداء من فم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي حروف وكلمات وسور وآيات تلاه جبريل
وبلغه جبريل عن الله تعالى كما سمعه . فهم يميزون بين ما قام بالعبد ، وما قام بالرب فالقرآن
عندهم جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك
مخلوق بائن عن الله ولذلك سوغوا أن يقال : القرآن غير مخلوق ، ولفظي بالقرآن مخلوق .