لا تخرج ، فأنتم كنتم آفتي ، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما
أخرجت واحدا منكم معي . لولاكم لمن كانت توضع هذه المائدة ، وتفرش
الفرش ، وتجرى الاجراء ( 1 ) ؟ فكتبت إليه أعلمه بما قال لي عبد الله ، فكتب
إلي بخطه : أحسن الله عاقبتك ، ودفع عنك كل مكروه ومحذور ، الذي
حملني على الكتاب إليك الذي قلت لعبد الله ، لا يأتيني منكم أحد رجاء أن
ينقطع ذكري ويخمل ( 2 ) . وإذا كنتم هاهنا ، فشا ذكري ، وكان يجتمع إليكم
قوم ينقلون أخبارنا ، ولم يكن إلا خير . فإن أقمت فلم يأتني أنت ولا أخوك ،
فهو رضائي ، ولا تجعل في نفسك إلا خيرا ، والسلام عليك .
قال : ولما سافرنا ، رفعت المائدة والفرش ، وكل ما أقيم لنا .
قال صالح : وبعث المتوكل إلى أبي بألف دينار ليقسمها ، فجاءه علي
ابن الجهم في جوف الليل ، فأخبره بأنه يهيئ له حراقة ، ثم جاء عبيد الله
بألف دينار ، فقال : إن أمير المؤمنين قد أذن لك ، وأمر لك بهذه . فقال :
قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره ، فردها . وقال : أنا رقيق على البرد ،
والظهر أرفق بي . فكتب له جواز ، وكتب إلى محمد بن عبد الله في بره
وتعاهده . فقدم علينا ، ثم قال : يا صالح ، قلت : لبيك . قال : أحب أن
تدع هذا الرزق ، فإنما تأخذونه بسببي فسكت ، فقال : مالك ؟ قلت : أكره
أن أعطيك بلساني ، وأخالف إلى غيره ، وليس في القوم أكثر عيالا مني ، ولا
أعذر . وقد كنت أشكو إليك ، وتقول : أمرك منعقد بأمري . ولعل الله أن
يحل عني هذه العقدة ، وقد كنت تدعو لي ، فأرجو أن يكون الله قد استجاب
لك . فقال : والله لا تفعل . فقلت : لا . فقال : لم ؟ فعل الله بك وفعل ! !
هامش
( 1 ) حرفت في " تاريخ الاسلام " إلى " الامراء " .
( 2 ) في " تاريخ الاسلام " : و " يخمد " ، بالدال المهملة .