قاعدا على مصطبة ( 1 ) في الدار . فصعد وقعد ، فقال له يحيى : يا أبا عبد
الله ، إن أمير المؤمنين جاء بك ليسر بقربك ، ويصير ابنه عبد الله في
حجرك . فأخبرني بعض الخدام أن المتوكل كان قاعدا وراء ستر ، فقال
لامه : يا أمه ، قد أنارت ( 2 ) الدار . ثم جاء خادم بمنديل ، فأخذ يحيى
المنديل ، وذكر قصة في إلباس أبي عبد الله القميص والقلنسوة والطيلسان ،
وهو لا يحرك يده ، ثم انصرف .
وقد كانوا تحدثوا أنه يخلع عليه سوادا . فلما جاء ، نزع الثياب ،
وجعل يبكي ، وقال : سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة ، حتى إذا كان في
آخر عمري بليت بهم . ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام ،
فكيف بمن يجب علي نصحه ؟ ! يا صالح : وجه بهذه الثياب إلى بغداد
تباع ، ويتصدق بثمنها ، ولا يشتري أحد منكم منها شيئا ، فوجهت بها إلى
يعقوب بن بختان ( 3 ) ، فباعها ، وفرق ثمنها ، وبقيت عندي القلنسوة .
قال : ومكث خمسة عشر يوما يفطر كل ثلاث على ثمن سويق ، ثم
جعل بعد ذلك يفطر ليلة على رغيف ، وليلة لا يفطر . وإذا جاؤوا بالمائدة ،
توضع في الدهليز لئلا يراها . وكان إذا أجهده الحر بل خرقة ، فيضعها
على صدره . وفي كل يوم يوجه إليه بابن ماسويه ، فينظر إليه ، فقال . يا أبا
عبد الله ، أنا أميل إليك وإلى أصحابك ، وما بك علة سوى الضعف وقلة
الرز ( 4 ) .
هامش
( 1 ) في " تاريخ الاسلام " : " على دكان " .
( 2 ) في " تاريخ الاسلام " : " نارت " .
( 3 ) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان ، نسب هنا إلى جده ، وهو من أصحاب الإمام أحمد
، وكان أحد الصالحين الثقات . له ترجمة في " طبقات الحنابلة " ص : 276 ، و " تاريخ
بغداد " 14 / 280 .
( 4 ) الرز ، بكسر الراء وتشديد الزاي : غمز الحدث ، وحركته في البطن للخروج ، حتى
يحتاج صاحبه إلى دخول الخلاء . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من وجد في بطنه رزا
فليتوضأ " أخرجه أحمد 1 / 88 و 99 بسند فيه ابن لهيعة .