واعلم أن الابداع والمشية والإرادة معناها واحد 1 ) وأسماؤها ثلاثة ،
وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف 2 ) التي جعلها أصلا لكل شئ
ودليلا على كل مدرك وفاصلا لكل مشكل ، وتلك الحروف تفريق كل
شئ من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى ، وعليها
اجتمعت الأمور كلها ، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى 3 ) غير
أنفسها يتناهى ولا وجود لأنها مبدعة بالابداع ، والنور في هذا الموضع
أول فعل الله 4 ) الذي هو نور السماوات والأرض ، والحروف هي المفعول
شرح
1 ) فيه دلالة على أن ارادته تعالى من صفات الفعل وهي حادثة ، لأنها عين
الابداع . وقد تقدم وجه الجمع بين ما دلت عليه الأخبار من حدوثها وما قاله
المتكلمون من قدمها ، وذلك أنها بهذا المعنى حادثة ، وبمعنى العلم بالأصلح
قديمة .
2 ) فيه دلالة على أن أول مبدعاته الحروف ، وقد تقدم أن الأول غير هذا .
ويمكن أن يقال : إنه أول بالنظر إلى اللغات والكلام والأسماء والصفات ، لأنها
مركبة من الحروف .
3 ) أي : أنه تعالى خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها ،
ولم يجعل لها وضعا ولا معنى تنتهي إليه ويوجد ويعرف بذلك الحرف ، وحينئذ
فما تقدم في أبواب هذا الكتاب من الإشارة إلى معاني الحروف لا يكون من باب
الوضع لها ، بل يكون من قبيل ما دل عليه بالالتزام والإشارة . وبالجملة يكون
من باب المعنى الشرعي لا من المعنى الوضعي اللغوي . وقيل : المراد بالمعنى
الصفة ، أي : أنه سبحانه لما ابتدعها وخلقها لم يكن موصوفة بصفة تنتهي إليها
وتوجد ، لأنه لم يكن هناك غير الابداع والحروف ( 1 ) .
4 ) المراد بالنور هنا الوجود ، لان به تظهر الأشياء ، كما تظهر الأشياء
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 10 : 25 3 .