تجد النار يغيرها تغير نفسها 1 ) ، أو هل تجد الحرارة تحرق
نفسها ، أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره ؟ قال عمران : لم أر هذا .
شرح
ليس معه إرادة ولا فعل ولا مزاولة عمل ، فلما استضاءنا به وحصل الضوء فينا من
قبله نسبنا الإضاءة إليه وقلنا قد أضاء ، فلا يشترط في استعمال تلك الأفعال الا
الاستتباع والسببية من غير اشتراط شئ آخر والا ظهر بدل فلا استضاء لنا قوله
فلما استضاءنا به ، كما لا يخفى ، هكذا قرره شيخنا المعاصر أبقاه الله تعالى ( 1 ) .
الا أن المستفاد من ظاهر العبارة معنى آخر ، وهو أن يكون قوله ( ولا يقال إن
السراج ) من تمام الكلام الأول يشتمل على تشبيه آخر بالسراج من باب
التشبيه الأول ، وحاصله : ان السراج لا يقال إنه أراد بنا الإضاءة ، وذلك أنه لا
يتصف بإرادة عدمها ، إذ لا فعل له ولا شعور ولا إرادة ، والشئ إنما يتصف بشئ
إذا جاز اتصافه بنقيض ذلك الشئ ، ولهذا لا يقال للجدار انه أعمى . وتقرير باقي
الكلام كما تقدم .
1 ) حاصله : أن الفاعل بسبب فعله لا يدخله تغيير ، وإنما يدخله التغيير من
فعل غيره فيه ، وذلك كالنار فإنها لا تحدث في نفسها تغييرا بسبب ما يوجد منها
من الافعال والتأثيرات في غيرها . نعم تنفعل عن الغير كما إذا صب عليها ماء ،
وكذلك الحرارة لا تحرق نفسها عند احراقها غيرها ، وكذلك البصر إذا أثر في
غيره بانطباع تلك الصور فيه لا يؤثر في نفسه ، بأن تنطبع الحدقة في نفسها ،
وإنما تنطبع في بصر آخر يغايرها ، فكذلك تعالى شأنه عن التشبيه لا يدخل
عليه تغيير في ذاته بايجاد الممكنات ، وإنما يتأثر من غيره ، وليس هناك غير
يؤثر فيه ، لأنه مبدأ الأغيار وعلة العلل .
وبالجملة فالفاعل لا يتأثر من فعل نفسه . وأما الانسان إذا ضرب عضوا منه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 10 : 323 .