قال عمران : يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله
عن حاله بخلقه الخلق ، قال الرضا عليه السلام : أحلت يا عمران في قولك : إن الكائن
يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره ، يا عمران هل
شرح
ينطق ، إذ ليس من شأنه النطق . وكذلك الله سبحانه لا يوصف بالنطق بالمعنى
الذي فهمت ، وهو مزاولته بلسان وشفة ، أو بغير ذلك مما يوجب التغيير في ذاته ،
بل كلامه هو ايجاده للأصوات والحروف في الأجسام .
ثم لما كان هذا أيضا موهما لنوع تغير في ذاته تعالى ، بأن يتوهم أن ايجاده
بمنزلة الجوارح والآلات والاعمال أزال ذلك التوهم ، بأن الألفاظ كثيرا ما تطلق
في بعض الموارد مقارنا لبعض الأشياء ، فيتوهم اشتراط تلك المقارنات في
استعمالها وليس كذلك ، والخلق والايجاد كذلك ، فإنهما يطلقان في المخلوقين
غالبا مقارنا لمزاولتهم الاعمال وتحريكهم الجوارح ، واستعانتهم بالآلات ،
فيتوهم الجهال أنهما لا يطلقان الا بذلك ، فبين عليه السلام ذلك بالتشبيه بالسراج أيضا ،
فإنه يقال : إنه يضئ وليس معنى اضاءته أنه يفعل فعلا يزاول فيه الاعمال
والجوارح والآلات ، أو أنه يحدث له عند ذلك إرادة وخطور بال ، كما يكون في
ضرب زيد وقتل عمرو ، بل ليس الا استتباع ضوئه لاستضاءتنا ، فكذلك الصانع
تعالى ليس ايجاده بما يوجب تغييرا في ذاته من حدوث أمر فيه ، أو مزاولة عمل ،
أو روية ، أو تفكر ، أو استعمال جارحة أو آلة ، كما يكون في المخلوقين غالبا .
وليس الغرض التشبيه الكامل في ذلك حتى يلزم عدم كون ايجاده تعالى على
وجه الإرادة والاختيار ، بل فيما ذكرناه من الوجوه .
فقوله عليه السلام ( ولا يقال إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا ) النفي فيه
راجع إلى القيد ، أي : لا يطلق إضاءة السراج على فعل يريده أن يفعل بنا ، لان
الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون واحداث ، وإنما هو السراج حسب