تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور البراهين — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
شرح
فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه ، زالت الشبهة منه ، وثبتت الحجة به ، ووضع الحق فيه لذوي العقول ، ولم يلحقه فساد ولا اختلال . فأما الاخبار التي رواها في النهي عن الكلام في القضاء والقدر ، فهي يحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الامساك عنه وترك الخوض فيه ، ولم يكن النهي عاما لكافة المكلفين ، وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون ، ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون ، فدبر الأئمة عليهم السلام أشياعهم في الدين بحسب ما علموه من مصالحهم فيه . والوجه الآخر : أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد ، وعن القول في علل ذلك لخلقه ، إذ كان طلب علل الخلق والامر محظورا ، لان الله تعالى سترها عن أكثر خلقه ، ألا ترى أنه لا يجوز لاحد أن يطلب لخلقة جميع ما خلق عللا مفصلات ، فيقول : لم خلق كذا وكذا ؟ حتى يعد المخلوقات ويحصيها ، ولا يجوز أن يقول : لم أمر بكذا وتعبد بكذا ونهى عن كذا ؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق ، ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل ما خلق وامر به وتعبد ، وإن كان قد أعلم في الجملة أنه لم يخلق عبثا وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة ، ودل على ذلك بالعقل والسمع ، فقال سبحانه : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ( 1 ) . وقال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( 2 ) . وقد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند خلقه كفار ، أو يتوب عند ذلك فساق ، أو ينتفع به مؤمنون ، أو يتعظ به ظالمون ،
هامش
( 1 ) الأنبياء : 16 . ( 2 ) الذاريات : 56 .