شرح
فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه ، زالت الشبهة منه ،
وثبتت الحجة به ، ووضع الحق فيه لذوي العقول ، ولم يلحقه فساد ولا اختلال .
فأما الاخبار التي رواها في النهي عن الكلام في القضاء والقدر ، فهي يحتمل
وجهين ، أحدهما : أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم
ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الامساك عنه وترك الخوض فيه ، ولم يكن
النهي عاما لكافة المكلفين ، وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون ،
ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون ، فدبر الأئمة عليهم السلام أشياعهم في الدين
بحسب ما علموه من مصالحهم فيه .
والوجه الآخر : أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق
الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد ، وعن القول في علل ذلك لخلقه ،
إذ كان طلب علل الخلق والامر محظورا ، لان الله تعالى سترها عن أكثر خلقه ، ألا
ترى أنه لا يجوز لاحد أن يطلب لخلقة جميع ما خلق عللا مفصلات ، فيقول : لم
خلق كذا وكذا ؟ حتى يعد المخلوقات ويحصيها ، ولا يجوز أن يقول : لم أمر بكذا
وتعبد بكذا ونهى عن كذا ؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق ،
ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل ما خلق وامر به وتعبد ، وإن كان قد أعلم في
الجملة أنه لم يخلق عبثا وإنما خلقهم للحكمة والمصلحة ، ودل على ذلك بالعقل
والسمع ، فقال سبحانه : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ( 1 ) .
وقال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( 2 ) .
وقد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند
خلقه كفار ، أو يتوب عند ذلك فساق ، أو ينتفع به مؤمنون ، أو يتعظ به ظالمون ،
هامش
( 1 ) الأنبياء : 16 .
( 2 ) الذاريات : 56 .