شرح
وقوله : ( وقدرية هذه الأمة ومجوسها ) إشارة إلى المعتزلة ومن بحكمهم
القائلين باستقلال العبد واستبداده بإيجاد فعله من غير مدخلية قدر الله وقضائه ،
وإنها ليست بقدر الله .
وما روي عن ابن عباس أنه قال : إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إني سأهجر
هجرتين ، وإني سأخرج عن هجرتي ، فهاجرت هجرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهجرة
مع علي عليه السلام ، وإني سأعمر ، فعميت ، وإني سأغرق ، فأصابني حكة فطرحني أهلي
في البحر ، فغفلوا عني ، فغرقت ، ثم استخرجوني بعد ، وأمرني أن أبرأ من خمسة ،
من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، والقاسطين وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج
وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا : لا
قدر ، ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا : الله أعلم يوافق ما
ذكرناه في القدرية ، انتهى .
أقول : إطلاق القدرية على المعتزلة كثير في الاخبار ، وقد تقدم طرف منه ،
وسيأتي جملة أخرى منه أيضا إلا أن إرادته من هذا الحديث بعيدة ، لان سياق
الكلام في الرد على الأشاعرة ومن قال بمقالتهم .
وتحقيق المقام : أن الأشاعرة الجبرية قالوا بمقالة المجوس من أن أعمال
العباد بالقضاء الحتمي لا بإرادة واختيار منهم ، فلفظ القدرية موافق لهم مناسب
لحالهم .
وأما المعتزلة القائلون بأن الله سبحانه لا قضاء له في أفعال العباد ، فهم
مشاركون النصارى من هذه الجهة ، حيث أنهم يقولون باختيار العبد مطلقا وأن الله
سبحانه لا قضاء له ولا تدبير ولا لطف في أفعال عباده ، ويشاركون الأشاعرة في
وجه آخر ، وهو أنهم يقولون بإلهين ، فاعل الخير وهو النور ، وفاعل الشر وهو