رأيت ذلك ، فقال : إن الله عز وجل لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة ولم يهمل
العباد في ملكه ، هو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن
شرح
معاصيه ، لأنه العدل ومنه النصفة .
ثم قال بعد كلام واضح البرهان : فإن قالوا : ما الحجة في قول الله تعالى
يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما أشبه ذلك ؟ قلنا : مجاز هذه الآية
تقتضي معنين : أحدهما : أنه إخبار عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء
وضلالة من يشاء ، ولو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم
عقاب ، والمعنى الآخر : أن الهداية منه التعريف ، كقوله تعالى : وأما ثمود
فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ( 1 ) إنتهى ملخصا .
والرسالة طويلة نقلها جماعة من أصحابنا في نوادر الاخبار ، وحينئذ فالذي
تعطيه الاخبار هو أن معنى الجبر ما ذهبت إليه الأشاعرة من أنه سبحانه أجرى
الاعمال على أيدي العباد من غير قدرة لهم مؤثرة فيها ثم عذبهم عليها ، وهذا هو
الظلم ، والمعتزلة لما أرادوا تنزيه الله تعالى عن الظلم أوقعوه في العجز ، فذهبوا إلى
أنه أوجد العباد ، وأقدرهم على تلك الأفعال ، وفوض إليهم الاختيار ، فهم
يوجدونها على وفق مشيتهم وإرادتهم ، وليس له سبحانه في أفعالهم مشية ولا
لطف ولا توفيق ولا صنع ولا إرادة ، حتى لو أراد سبحانه خلاف ما أرادوه لما
أمكنه .
وأما الامر بين الامرين ، فهو أنه تعالى له صنع في الافعال لكن لا تبلغ إلى
حد الجبر والالجاء ، وهي التوفيقات والالطاف والهدايات الخاصة والأنوار
الجلية التي يوقعها في قلب من استحقها ، فيهتدي بها في قطع ظلمات الجهالات .
وإن أردت المثل الكاشف ، فهو أن السيد لو أمر عبده بشئ وعلمه وفهمه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 5 : 71 - 81 عنها .