شرح
الأكثر ينشأون على مذاهب آبائهم ويألفون أديانهم ونحلهم ، ويكون الغرض
بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد وكفرهم ، وأنه إنما خلقهم للايمان
فصدهم عنه آباؤهم أو من جرى مجراهم .
والوجه الآخر : أن يكون معنى يهودانه وينصرانه أي : يلحقانه بأحكامهما ،
لان أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم ، فكأنه عليه السلام قال : لا
تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم أنهم خلقوا لدينهم ، بل
لم يخلقوا إلا للايمان والدين الصحيح ، لكن آباؤهم هم الذين أدخلوهم
في أحكامهم ، وعبر عن ادخالهم في أحكامهم بقوله يهودانه وينصرانه ( 1 ) .
وقال ثقة الاسلام الطبرسي طاب ثراه : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها )
فطرة الله : الملة وهي الدين والاسلام والتوحيد التي خلق الناس عليها ولها وبها ،
أي : ولأجلها والتمسك بها ، فيكون كقوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )
وهو كما يقول القائل لرسوله : بعثتك على هذا ولهذا وبهذا ، والمعنى واحد ، ومنه
قول النبي صلى الله عليه وآله : ( كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواهما اللذان يهودانه
وينصرانه ويمجسانه ) .
وقيل : معناه : اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله ، وهو ابتداء خلقه للأشياء ،
لأنه خلقهم وركبهم وصورهم على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا عالما حيا
قديما واحدا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ ( 2 ) .
فإن قلت : دلت الاخبار على أن كل مولود يولد على الفطرة . فما معنى قول
مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : ( أما أنه يظهر عليكم بعدي رجل
رحب البلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ولن
هامش
( 1 ) أمالي السيد المرتضى 4 : 3 - 4 .
( 2 ) مجمع البيان 4 : 303 .