فقبح قولي : فقال له أبو عبد الله عليه السلام : إذا فرغت من الطواف فأتنا ، فلما فرغ
أبو عبد الله عليه السلام أتاه الزنديق ، فقعد بين يديه ، ونحن مجتمعون عنده ، فقال
للزنديق : أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا ؟ ! قال : نعم 1 ) ، قال فدخلت تحتها ؟ !
قال : لا ، قال : فما يدريك بما تحتها ؟ ! قال : لا أدري إلا أني أظن أن ليس
تحتها شئ ، قال أبو عبد الله عليه السلام : فالظن عجز ما لم تستيقن ، قال أبو عبد
الله : فصعدت السماء ؟ ! قال : لا ، قال : فتدري ما فيها ؟ ! قال : لا ، قال : فأتيت
المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما ؟ ! قال : لا ، قال : فعجبا لك ، لم تبلغ
المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد السماء ولم
تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد ما فيهن ، وهل يجحد العاقل
شرح
الأرض من يستحق العبودية حتى يتعارف بين الناس أن ينسبوا أولادهم إلى
عبوديته ، وإن قلت : إن الأبوين سمياني بهذا من غير اطلاع مني ، فالعاقلان
لا يختاران للأعز عليهما إلا أحسن الأسماء عندهما ، ولا ريب أن الاسم المهمل
مما لا يقصدانه غالبا ، سيما فيما كان ظاهره الاستعمال ، كعبد الملك وعبد الله .
1 ) ابتدأ عليه السلام بإزالة إنكار الخصم وإخراجه من مرتبة الانكار إلى مرتبة
الشك ، لتستعد نفسه للاقبال على الحق ، وقبول ما جبلت العقول تسليمه على قبولها
والاذعان بها ، فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما تحت الأرض ، وليس له سبيل إلى
الجزم بأن ليس تحتها شئ ثم زاده بيانا بأن السماء التي لم يصعدها كيف يكون له
الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها ، وكذا المشرق والمغرب .
فلما عرف قبح إنكاره لما لا معرفة له فيه ، وتنزل من الانكار إلى الشك ، وأقر
بأنه شاك بقوله ( ولعل ذلك ) تصديقا لقوله عليه السلام ( فأنت من ذلك في شك ) فأخذ عليه السلام
في هدايته وقال ليس للشاك دليل ولا للجاهل حجة فليس لك إلا طلب