شرح
أرباب علم الكلام ذهب بعضهم إلى أن أول الواجبات هو النظر في المعرفة ،
وآخرون إلى أنه القصد إلى النظر ، وهما وصلة إلى المعرفة ، وهي الواجبة
بالذات . وقد صرح المحققون ( 1 ) وهو المستفاد أيضا من الاخبار أن معرفة الله
سبحانه في مراتب : الأولى : وهي أدناها أن يعرف العبد أن للعالم صانعا .
الثانية : أن يصدق بوجوده . الثالثة : أن يترقى إلى توحيده وتنزيهه عن
الشركاء . الرابعة : مرتبة الاخلاص له . الخامسة : نفي الصفات التي تعتبرها
الأذهان له عنه ، وهي غاية العرفان .
وكل مرتبة من المراتب الأربع مبدأ لما بعدها ، والأولتان من المراتب
مجبولتان في الفطرة الانسانية ، بل في الفطرة الحيوانية أيضا ، ولذا لم يدع
الأنبياء عليهم السلام اليهما ، مع أنهما لو توقفا على الدعوة لزم الدور ، لان صدقهم مبني
على معرفة أن هاهنا صانع للخلق أرسلهم ، بل الذي دعا إليها الأنبياء عليهم السلام هي
المرتبة الثالثة وما بعدها ، وهي الواردة في كلمة الاخلاص بقوله صلى الله عليه وآله : من قال
لا إله إلا الله دخل الجنة ، ثم لما استعدت أذهانهم لما بعدها من المراتب قال عليه السلام :
من قال لا إله إلا الله خالصا دخل الجنة .
وحينئذ فيجوز أن يراد من المعرفة في قوله عليه السلام ( أول عبادة الله معرفته )
المرتبتان الأولتان ، ويجوز أن يراد المعرفة الكاملة ، لأنها العلة الغائية ، وهي
متقدمة في التصور ( 2 ) .
أقول : بهذا التحقيق يندفع التعارض بين الأخبار الواردة في أن أول
هامش
( 1 ) هو المحقق العلامة ابن ميثم البحراني المتوفي سنة " 679 " ه ق .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 1 : 119 - 120 .