والآخر بعد كل شئ ، ولا يعدله شئ ، الظاهر على كل شئ 1 ) بالقهر له ،
والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها ، ولا تلمسه لامسة ولا تحسه
حاسة ، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، وهو الحكيم العليم ، أتقن
ما أراد خلقه من الأشياء كلها بلا مثال سبق إليه ، ولا لغوب دخل عليه
شرح
حيث قال : كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم
مردود إليكم . ولعل النمل الصغار يتوهم أن لله تعالى زبانتين أي قرنين ، فان ذلك
كمالها وتتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما . وهكذا حال العقلاء فيما
يصفون الله تعالى به انتهى .
قال المحقق الدواني : هذا كلام دقيق رشيق صدر من مصدر التحقيق ومورد
التدقيق ، والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب
الوسع والطاقة ، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم
مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم . ولما كان الانسان واجبا بغيره
عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا ، كلف بأن يعتقد تلك الصفات في
حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الانسان ، بأن يعتقد أنه
تعالى واجب لذاته لا لغيره عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات ،
وهكذا في سائر الصفات ، ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها
ومناسبها بوجه ، ولو كلف به لما أمكنه تعقله بالحقيقة ، وهذا أحد معاني
قوله عليه السلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه .
أقول : قوله عليه السلام ( قبل بلوغ صفته ) أي : قبل الوصول إليها والاطلاع
عليها ، لعدم وجودها لما تحققت من أن صفاته عين ذاته .
1 ) الظاهر هنا بمعنى الغالب ، من باب قوله تعالى فأصبحوا ظاهرين ( 1 ) .
هامش
( 1 ) سورة الصف : 14 .