وذلك حين خرج من السرب 1 ) الذي أخفي فيه ، فلما جن عليه الليل
ورأي الزهرة قال : هذا ربي على الانكار والاستخبار ، فلما أفل الكوكب
شرح
موقنا أن ربه سبحانه لا يجوز أن يكون بصفة الكواكب ، وإنما قال ذلك على
سبيل الانكار على قومه ، والتنبيه لهم على أن من يكون إلها معبودا لا يكون
بهذه الصفة الدالة على الحدوث ، ويكون قوله ( هذا ربي ) محمولا : إما على أنه
كذلك في زعمكم ، وإما على حذف حرف الاستفهام .
ورابعها : أنه عليه السلام إنما قال ذلك استخداعا للقوم يريهم قصور علمهم
وبطلان عبادتهم لمخلوق تجري عليه أعراض الحوادث ، فإنهم كانوا يعبدون
الكواكب ، وبعضهم يعبدون النيران ، وبعضهم يعبدون الأوثان ( 1 ) ، إنتهى ملخصا .
ولا يخفى ما يرد على الأولين من القدح في علوم الأنبياء ونقصانها سيما
علم التوحيد ، فإنه الفطرة التي فطر الناس عليها ، ومن عرف نفسه فقد عرف
ربه ، فكيف يحتاج الخليل عليه السلام إلى النظر والتأمل في معرفة الخالق جل شأنه ؟
نعم روى علي بن إبراهيم هذه القصة بسند صحيح عن الصادق عليه السلام ،
وفيها أنه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم : ( هذا ربي ) : أشرك في قوله
( هذا ربي ) ؟ فقال : لا ، من قال هذا اليوم فهو مشرك ، ولم يكن من إبراهيم شرك ،
وإنما كان في طلب ربه ، وهو من غيره شرك ( 2 ) .
أقول : يمكن حمل هذا على التقية ، لموافقته تفاسير العامة ، وإن أمكن
أن يقال : إن معنى قوله ( وإنما كان في طلب ربه ) يعني : لقومه ، أو لأجل
الاستدلال في مقام المناظرة ، وإن كان عالما به .
1 ) هو بالتحريك الحفيرة تحت الأرض ، وذكر أهل التفسير والتاريخ : أن
إبراهيم عليه السلام ولد في زمان نمرود بن كنعان ، وقيل لنمرود : إنه يولد في بلده
هامش
( 1 ) مجمع البيان 2 : 323 - 325 .
( 2 ) تفسير القمي 1 : 207 - 208 .