شرح
إلى الاله لا بد وأن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي
والعاقل والجاهل ، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كان يقينية إلا أنها دقيقة
لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق ، وأما دلالة الأفول فكانت على هذا المقصود أتم .
وأيضا قال بعض المحققين : الهوي في حظيرة ( 1 ) الامكان أفول ، وأحسن
الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص ، وحصة الأوساط ، وحصة العوام ،
فالخواص يفهمون من الأفول الامكان ، وكل ممكن محتاج ، والمحتاج لا
يكون مقطعا للحاجة ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون منزها عن الامكان حتى
تنقطع الحاجات بسبب وجوده ، كما قال : ( وأن إلى ربك المنتهى ) وأما الأوساط
فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، وكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو
محتاج إلى القديم القادر ، فلا يكون الآفل إلها ، بل الاله هو الذي احتاج إليه الآفل .
وأما العوام ، فإنهم يفهمون من الأفول الغروب ، وهم يشاهدون أن كل
كوكب يقرب من الأفول ، فإنه يزول نوره ، وينتقض ضوؤه ، ويذهب سلطانه
، ويصير كالمعدوم ، ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية .
فهذه الكلمة الواحدة ، أعني قوله ( لا أحب الآفلين ) كلمة مشتملة على
نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أفضل البراهين .
وفيه دقيقة أخرى ، وهي أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم ، وهم كانوا منجمين ،
ومذهب أهل النجم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى
وسط السماء ، كان قويا عظيم التأثير ، وإذا كان غربيا وقريبا من الأفول فإنه
يكون ضعيف الأثر قليل القوة ، فنبه بهذه الدقيقة على أن الاله هو الذي لا تتغير
قدرته إلى العجز ، وكماله إلى النقص ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع
هامش
( 1 ) في التفسير : خطرة .