أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ، ولا كرم أعز من التقوى 1 ) ،
شرح
لان الله سبحانه قد أعطى نبيه من مراتب السعادة ما لا يزيد فيه صلاة مصل عليه ،
وهذا القول منهم عجيب ، لان درجات القرب ومراتب الرحمة منه تعالى لا تقف
عند حد لا تزيد عليه ، وفي الأدعية المأثورة والاخبار الواضحة دلالة على أن
صلاتنا عليه مما يزيد في درجاته ، على أن صلاتنا عليه ونحوها عمل من جملة ( 1 )
أعماله ، ولا خلاف عند الكل في أنه صلى الله عليه وآله يثاب على أعماله وسعيه مع قوله تعالى
( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) ( 2 ) ومن تتبع الاخبار لم يبق له شك في حقية
هذا الكلام ، والله الهادي إلى تحصيل المرام .
1 ) الكرم هو انفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر
الكثيرة النفع ، بمقدار ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي . والتقى في اللغة :
الخوف . وفي العرف الخاص : خوف النفس من التدنس بأدناس الهيئات
البدنية ، والتكيف بالملكات الردية ، ورفض المشتهيات البدنية .
والكرم كما يراد به ما ذكرنا حقيقة ، كذا يطلق مجازا ، أو يراد به انفاق النفس
وسمحها بالمشتهيات البدنية ، وقلة الالتفات إلى اللذات الحسية التي يخاف من
الاشتغال بها الالتفات عن القبلة الحقيقية .
ووجه المشابهة : أن الكريم كما يسمح بالمال الكثير ويفارقه بسهولة من
نفسه في تحصيل الأمور الجليلة القدر الكثيرة النفع ، كذلك المتقي من جهة أنه
يسمح باللذات والمشتهيات بسهولة لأجل تحصيل المطالب العلية على الوجه
الذي لا يخالف الرسوم الشرعية ، ولهذا الوجه أطلق على التقي أنه كرم .
وأما أنه أعز ما يطلق عليه اسم الكرم ، فلان التقي يسمح بجميع اللذات ،
فإن تناول شيئا منها فلا لكونه ألذ ، بل لكونه مقوما للحياة . والكريم إنما يسمح
بالمال وحده ، وهو جزئي من جزئيات اللذة ، وقد يكون المقصود منه لذة فانية ،
هامش
( 1 ) في " ن " : جهة .
( 2 ) سورة النجم : 39 .