خالقين منهم عيسى بن مريم ، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ
فيه فصار طائرا بإذن الله ، والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار ، قلت :
إن عيسى خلق من الطين طيرا دليلا على نبوته ، والسامري خلق عجلا
جسدا لنقض نبوة موسى عليه السلام ، وشاء الله أن يكون ذلك كذلك ؟ إن هذا لهو
العجب ، فقال : ويحك يا فتح إن لله إرادتين ومشيتين إرادة حتم وإرادة عزم
ينهى وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته عن
أن يأكلا 1 ) من الشجرة وهو شاء ذلك ، ولو لم يشأ لم يأكلا ولو أكلا لغلبت
شرح
وقال حذيفة في هذه الآية : تصنعون ويصنع الله وهو خير الصانعين ، وفي
هذا دليل على أن اسم الخلق قد يطلق على فعل غير الله تعالى ، إلا أن الحقيقة في
الخلق لله سبحانه ، فان المراد من الخلق ايجاد الشئ مقدرا تقديرا لا تفاوت فيه ،
وهذا إنما يكون من الله تعالى ، ودليله قوله ( ألا له الخلق والامر ) ( 1 ) .
أقول : على مقتضى ظاهر هذا الخبر أن الخالق هنا بمعنى الموجد ، وسيأتي
له في شرح الأسماء الحسنى معنى آخر ، حاصله : أن الخلق بمعنى التقدير أول
مراتب الايجاد ، ثم الايجاد ، ثم التصوير ، وهو في صنع غيره تعالى يتولاه العدد
الكثير كالبناء مثلا ، فإن المهندس يتولى تصويره بصورة ، ثم يدفع ما صور إلى
البناء فيوجد في الخارج ما يوافق تلك الصورة ، ثم يتولاه المصور فينقش فيه ما
أراد من التصوير ، أما الله سبحانه فهو الخالق والبارئ والمصور ، وهذا المعنى
يستفاد أيضا من الاخبار .
1 ) ذكر المحققون للمشيئة الواردة في الاخبار معان : منها : العلم . ومنها :
تهيئة أسباب الفعل بعد إرادة العبد له ، ومنها : أنها إرادة بالعرض تتعلق بفع - ل
العبد ، ومنها : أنها عبارة عن عدم صرفه تعالى إياه عن تلك الإرادة بالألطاف
هامش
( 1 ) مجمع البيان 4 : 101 .