قلت : جعلت فداك قد بقيت مسألة ، قال : هات لله أبوك 1 ) . قلت : يعلم
القديم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ؟ قال : ويحك إن
مسائلك لصعبة ، أما سمعت الله يقول : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) 2 ) ( 1 )
شرح
1 ) قال في النهاية : إذا أضيف الشئ إلى عظيم شريف اكتسي عظما
وشرفا ، كما قيل : بيت الله وناقة الله ، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه
ويحمد ، قيل : لله أبوك ، في معرض المدح والتعجب ، أي : أبوك لله خالصا حيث
أنجب بك وأتى بمثلك ( 2 ) .
2 ) أي : لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا عن نظامهما ،
وهذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون مسألة التوحيد .
وتقرير ذلك : أنه لو كان مع الله سبحانه اله آخر لكانا قديمين ، والقدم من
أخص الصفات ، فالاشتراك فيه يوجب التماثل ، فيجب أن يكونا قادرين
عالمين حيين ، ومن حق كل قادرين أن يصح كون أحدهما مريدا لضد ما
يريده الآخر من إماتة واحياء ونحو ذلك ، فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو : إما أن
يحصل مرادهما وذلك محال ، وإما أن لا يحصل مرادهما ، فينتقض كونهما
قادرين ، وإما أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر ، فينتقض كون من لم يقع
مراده من غير وجه منع معقول قادرا ، فإذا لا يجوز أن يكون الاله إلا واحدا .
ولو قيل : إنهما لا يتمانعان ، لان ما يريده أحدهما يكون حكمه فيريده
الآخر بعينه .
فالجواب : أن كلامنا في صحة التمانع لا في وقوع التمانع ، وصحة
التمانع تكفي في الدلالة ، لأنه يدل على أنه لا بد من أن يكون أحدهما متناهي
هامش
( 1 ) الأنبياء .
( 2 ) نهاية ابن الأثير 1 : 19 .