تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور البراهين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
شرح
ولما ثبت أن الله تعالى متجلي لذاته بذاته ، فالحجاب لا بد أن يكون بالنسبة إلى محجوب ، فأقسام المحجوبين ثلاثة ، منهم : من حجب بمجرد ظلمة ، ومنهم : من حجب بمجرد نور ، ومنهم : من حجب بنور مقرون بظلمة . الأول : وهم المحجوبون بمجرد الظلمة ، وهؤلاء هم الملحدون الذين لا يؤمنون بالله ، فمنهم من أحال صنع العالم على الطبع ، وهو صفة جسمانية مظلمة خالية عن الادراك ، ومنهم من عاش عيش البهائم ، وكانوا محجوبين بكدورات نفوسهم وشهواتهم المظلمة ، ولا ظلمة أشر ( 1 ) من الهوى ، ولذلك قال الله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ( 2 ) . الثاني : وهم المحجوبون بنور مقارن للظلمة ، وهم ثلاثة أصناف ، فصنف منهم منشأ ظلمته الحس ، ومنهم من منشأه الخيال ، وصنف منهم منشأها قياسات عقلية فاسدة . والأولون أيضا طوائف منهم عبدة الأوثان ، فإنهم علموا على سبيل الجملة أن لهم ربا أوجبوا إيثاره على أنفسهم ، واعتقدوا أنه أعز وأنفس من كل شئ ، ولكنهم حجبوا بظلمة الحس عن أن يتجاوزوا عالم المحسوس في إثبات ربهم ، فاتخذوا من أنفس الجواهر كالفضة والذهب والياقوت أشخاصا مصورة بأحسن صورة ، فجعلوها آلهة ، فهؤلاء محجوبون بنور العز والجلال من صفات الله ، لكنهم وضعوها في الأجسام المحسوسة ، فصارت حجبهم أنوارا مكدرة بظلمة الحس ، إذ الحس ظلمة بالنسبة إلى عالم المعقولات . وأما المحجوب ببعض الأنوار المقرونة بظلمة الخيال ، فهم الذين جاوزوا الحس ، وأثبتوا وراء المحسوس أمرا ، لكنهم لم يهتدوا إلى مجاوزة الخيال ، فعبدوا موجودا قاعدا على العرش فأخسهم رتبة المجسمة ثم الكرامية .
هامش
( 1 ) في الشرح : أشد . ( 2 ) سورة الجاثية : 23 .
نور البراهين — صفحة 152 | السيد نعمة الله الجزائري / السيد مهدي الرجائي