شرح
ولما ثبت أن الله تعالى متجلي لذاته بذاته ، فالحجاب لا بد أن يكون بالنسبة
إلى محجوب ، فأقسام المحجوبين ثلاثة ، منهم : من حجب بمجرد ظلمة ،
ومنهم : من حجب بمجرد نور ، ومنهم : من حجب بنور مقرون بظلمة .
الأول : وهم المحجوبون بمجرد الظلمة ، وهؤلاء هم الملحدون الذين لا
يؤمنون بالله ، فمنهم من أحال صنع العالم على الطبع ، وهو صفة جسمانية
مظلمة خالية عن الادراك ، ومنهم من عاش عيش البهائم ، وكانوا محجوبين
بكدورات نفوسهم وشهواتهم المظلمة ، ولا ظلمة أشر ( 1 ) من الهوى ، ولذلك
قال الله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ( 2 ) .
الثاني : وهم المحجوبون بنور مقارن للظلمة ، وهم ثلاثة أصناف ، فصنف
منهم منشأ ظلمته الحس ، ومنهم من منشأه الخيال ، وصنف منهم منشأها
قياسات عقلية فاسدة . والأولون أيضا طوائف منهم عبدة الأوثان ، فإنهم
علموا على سبيل الجملة أن لهم ربا أوجبوا إيثاره على أنفسهم ، واعتقدوا أنه
أعز وأنفس من كل شئ ، ولكنهم حجبوا بظلمة الحس عن أن يتجاوزوا عالم
المحسوس في إثبات ربهم ، فاتخذوا من أنفس الجواهر كالفضة والذهب
والياقوت أشخاصا مصورة بأحسن صورة ، فجعلوها آلهة ، فهؤلاء
محجوبون بنور العز والجلال من صفات الله ، لكنهم وضعوها في الأجسام
المحسوسة ، فصارت حجبهم أنوارا مكدرة بظلمة الحس ، إذ الحس ظلمة
بالنسبة إلى عالم المعقولات .
وأما المحجوب ببعض الأنوار المقرونة بظلمة الخيال ، فهم الذين جاوزوا
الحس ، وأثبتوا وراء المحسوس أمرا ، لكنهم لم يهتدوا إلى مجاوزة الخيال ،
فعبدوا موجودا قاعدا على العرش فأخسهم رتبة المجسمة ثم الكرامية .
هامش
( 1 ) في الشرح : أشد .
( 2 ) سورة الجاثية : 23 .