همم النفوس محدودا مصرفا 1 ) المنشئ أصناف الأشياء بلا روية احتاج
إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من مر حوادث
الدهور ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، الذي لما شبهه
العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته ، ذي الأقطار والنواحي
المختلفة في طبقاته ، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته ، انتفى أن
يكون قدروه حق قدره فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا
عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد : ( وما قدروا الله حق
قدره ) 2 ) والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه
شرح
1 ) أي : متغيرا من حالة إلى حالة .
2 ) قال أمين الاسلام الطبرسي طاب ثراه : ما قدروا الله حق قدره ، أي : ما
عظموه حق عظمته إذ عبدوا غيره . وقيل : معناه وما وصفوا الله حق صفته إذ
جحدوا البعث ، فوصفوه بأنه خلق الخلق عبثا ، وأنه عاجز من الإعادة والبعث .
( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) القبضة في اللغة : ما قبضت عليه
بجميع كفك ، أخبر الله سبحانه عن كمال قدرته ، فذكر أن الأرض كلها مع عظمها
في مقدوره ، كالشئ الواحد يقبض عليه القابض بكفه ، فيكون في قبضته ، وهذا
تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما بيننا ، لأنه يقال : هذا في قبضة فلان وفي يد
فلان إذا هان عليه التصرف فيه وان لم يقبض عليه .
وكذا قوله ( والسماوات مطويات بيمينه ) أي : يطويها بقدرته ، كما يطوي
الواحد منا الشئ المقدور له في طيه بيمينه ، وذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار
والتحقيق للملك ، إذ ليس الملك يختص باليمين دون الشمال . وقيل : معناه
أنها منصوبات ( 1 ) بقوته ، واليمين القوة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في المجمع : مصونات .
( 2 ) مجمع البيان 4 : 508 .