أيها السائل إعلم أن من شبه ربنا الجليل بتباين أعضاء خلقه وبتلاحم
أحقاق مفاصلهم 1 ) المحتجبة بتدبير حكمته أنه لم يعقد غيب ضميره على
معرفته ولم يشاهد قلبه اليقين بأنه لا ند له ، وكأنه لم يسمع بتبري التابعين
من المتبوعين وهم يقولون : ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم
برب العالمين ) فمن ساوى ربنا بشئ فقد عدل به ، والعادل به كافر بما
نزلت به محكمات آياته ، ونطقت به شواهد حجج بيناته ، لأنه الله الذي لم
يتناه في العقول 2 ) فيكون في مهب فكرها مكيفا ، وفي حواصل رويات
شرح
وأما المعلولات البعيدة كالماديات والمعدومات التي من شأنها امكان أن
توجد في وقت أو تتعلق بموجود ، فيكون بارتسام صورها المعقولة في
المعلولات القريبة التي هي المدركات لها أولا وبالذات ، وكذلك إلى أن ينتهي
إلى ادراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدركها ، قالوا : وذلك لان الموجود
في الحاضر حاضر ، والمدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه ، فاذن لا يعزب عن
علمه مثقال ذرة . وأما غير المحققين منهم ، فقد أطلقوا القول بأنه لا يعلم
الجزئيات على الوجه الجزئي ، ولتحقيق الكلام فيه موضع آخر .
1 ) التلاحم : الالتئام والالتصاق . والحقة بالضم : رأس الورك الذي فيها
عظم الفخذ ورأس العضد ، والجمع أحقاق وحقاق بالكسر ، أي : ان من شبهه
بخلقه في ربط مفاصلهم ودخول بعضها في بعض ، وكون المفاصل محتجبة بما
يسترها ، فلم يعقد ما غاب من ضميره ، أي قلبه الغائب عن المشاهدة على
معرفته تعالى ، لانة شبهه بخلقه وليس كمثله شئ .
2 ) أي : لم تصل العقول إلى نهايته وحقيقته حتى يكيفه بكيفيات
المخلوقين .