أن يحده ألباب البشر بالتفكير ، أو يحيط به الملائكة على قربهم من
ملكوت عزته بتقدير ، تعالى عن أن يكون له كفو فيشبه به لأنه اللطيف الذي
إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه 1 ) ، وحاولت الفكر
المبرأة من خطر الوسواس 2 ) إدراك علم ذاته وتولهت القلوب إليه لتحوي
منه مكيفا في صفاته وغمضت مداخل العقول 3 ) من حيث لا تبلغه الصفات
لتنال علم إلهيته ردت خاسئة 4 ) وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب 5 )
شرح
1 ) أي : إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات ملكه المغيب ، كما
فوق العرش أو ما تحت الثرى ، بأن تتصور احاطته بها ، أو تتصوره تعالى بسببها
رجعت خاسئة معترفة بالعجز .
2 ) بسكون الطاء مصدر خطر له خاطر ، أي : عرض في قلبه .
3 ) أي : دقت مواقع دخولها بحيث لا تبلغه الصفات ، أي : انتهت العقول إلى
حد أنها لا تعتبر مع ملاحظة ذات الحق صفة بل يحذف كل خاطر وكل اعتبار
من صفة وغيرها عن ملاحظة قدسه ، لتناوله علم ذاته بالكنه .
4 ) الخاسئ : المبعد والصاغر .
5 ) أي : تقطع . والمهاوي : المهالك ، الواحدة مهواة ، وهي ما بين جبلين أو
حائطين أو نحو ذلك . والسدف جمع سدفة ، وهي الظلمة والقطعة من الليل المظلم ،
مستعار هنا لظلمات الجهل ، أي : ردعها عن تلك المطالب حال ما هي قاطعة
لمهاوي تلك الظلمات ، وسبب ذلك في كل من هذه المدركات هو خلقها قاصرة عن
ادراك ما تطلبه من هذه المطالب العظيمة ، فالأوهام لقصورها عن ادراك ما ليس
بمحسوس ولا متعلقا بالمحسوس ردع أن يقع عليه ، والقلوب أن تجري في كيفية
صفاته ، فتحدها ويحصرها بخلقها قاصرة عن ادراك كنه ما ليس بذي حد وتركيب ،
فكان مستند ذلك الردع هو قدرته ، فلذلك قدم على الشرطية اعتبار كونه قادرا .