عليه حقب الليالي والأيام 1 ) الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا
مقدار احتذى عليه من معبود كان قبله تحط به الصفات 2 ) فيكون
شرح
أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك التعظيم له والاعتراف بانعامه عليهم بالتعليم ، وا ن
جميع ما يعلمونه إنما هو من جهته وإن هذا ليس من جملة ذلك ، وإنما سألهم
سبحانه عما يعلم أنهم لا يعلمونه ليقررهم على أنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ،
وليرفع به درجة آدم عليه السلام عندهم بأنه علمه ما لا يعلمون .
وقوله ( إنك أنت العليم ) أي : العالم بجميع المعلومات ، لأنه من صفات
ذاته وهو مبالغة في العالم . وقيل : أنهم أثبتوا له ما نفوا عن أنفسهم ، أي : أنت
العالم من غير تعليم ونحن المعلمون .
وقوله ( الحكيم ) يحتمل أمرين : أحدهما أنه بمعنى العالم ، لان العالم
بالشئ يسمى حكيما به ( 1 ) ، فعلى هذا يكون من صفات الذات مثل العالم
ويوصف بها فيما لم يزل ، لان ذلك واجب في العالم لنفسه . والثاني أن معناه
المحكم لأفعاله ، ويكون فعيلا بمعنى مفعل ، وعلى هذا يكون من صفات
الافعال ، ومعناه أن أفعاله كلها حكمة وصواب ، وليس فيها تفاوت ولا وجه من
وجوه القبح ، وعلى هذا فلا يوصف بذلك فيما لم يزل ، وروي عن ابن عباس
أنه قال : العليم الذي كمل في علمه ، والحكيم الذي كمل في حكمته .
وفي هذه الآية دلالة على أن العلوم كلها من جهته تعالى ، وإنما كان كذلك
لان العلوم لا تخلو إما أن تكون ضرورية ، فهو الذي فعلها ، وإما أن تكون
استدلالية ، فهو الذي أقام الأدلة ، فلا علم لاحد الا ما علمه الله تعالى ( 2 ) .
1 ) الحقب : بالضم وبضمتين ثمانون سنة أو أكثر ، والدهر والسنة أو
السنون .
2 ) أي : صفات الامكان ، أو التجسم ، أو وصف الواضعين .
هامش
( 1 ) في المجمع : يسمى بأنه حكيم .
( 2 ) مجمع البيان 1 : 78 .