لافترقت فدلت على مفرقها ، وتباينت فأعربت عن مباينها لما تجلى
صانعها للعقول 1 ) وبها احتجب عن الرؤية 2 ) ، وإليها تحاكم
شرح
أما الأولى ، فلأنها لابتداء الزمان ، ولا ريب أن مذ وجدت الآلة ينافي
قدمها . وأما الثانية ، فلأنها لتقريب الماضي من الحال ، فقولك ( قد وجدت هذه
الآلة ) يحكم بقربها من الحال وعدم أزليتها . وأما لولا فلان قولك في
الأذهان المتوقدة ( ما أحسنها لولا أن فيها كذا ) مما يدل على نقص فيها ،
فيبعدها ذلك عن الكمال المطلق .
ويروى برفع القدمة والأزلية والتكملة على الفاعلية ، فتكون الضمائر
المتصلة مفعولات أول ، وقد ومذ ولولا مفعولات ثانية ، ويكون المعنى أن قدم
الباري سبحانه وأزليته وكماله المطلق منعت الآلات والأدوات من اطلاق لفظ
( قد ) و ( مذ ) و ( لولا ) عليه سبحانه ، لأنه تعالى قديم كامل ، وقد ومذ لا
يطلقان إلا على محدث ، ولولا لا تطلق إلا على ناقص ( 1 ) .
1 ) في النهج : بها تجلى صانعها ( 2 ) . وهو الصواب . أي : بوجود هذه
الآلات ظهر وجوده تعالى للعقول ، إذ كان وجودها مستلزما لوجود صانعها
بالضرورة ، واحكامها واتقانها شاهد بعلمه ، وحكمته شهادة تضطر العقول إلى
الحكم بها ، ويتفاوت ذلك الظهور بتفاوت جلاء النفوس .
2 ) أي : بايجادها وخلقها بحيث تدرك بحاسة البصر ، علم أنه تعالى يمتنع أن
يكون مرئيا مثلها .
وبيانه : أن تلك الآلات إنما كانت متعلق حس البصر باعتبار أنها
ذات وضع وجهة ولون وغيره من شرائط الرؤية ، ولما كانت هذه الأمور
ممتنعة في حقه تعالى لا جرم امتنع أن يكون نظر المحل العيون ، كذا قال
هامش
( 1 ) راجع شرح نهج البلاغة لابن ميثم 4 : 158 - 159 .
( 2 ) نهج البلاغة ص 273 ، رقم الخطبة : 186 .