وبالفطرة تثبت حجته 1 ) . خلق الله الخلق حجاب بينه وبينهم 2 ) ومباينته
شرح
من حيث هي ، أو يكون المعنى أن كلما هو معلوم بكنه الحقيقة إما بالحواس ، أو
الأوهام ، أو العقول ، فهو مصنوع مخلوق ، إما لان كنه الشئ إنما يعلم من جهة
أجزائه ، وكل ذي جزء فهو مركب ممكن ، أو لان الصورة العقلية تكون فردا
لتلك الحقيقة فيلزم التعدد ، وهو يستلزم التركيب .
ويحتمل أن يكون المعنى أن الأشياء إنما تعلم بصورها الذهنية ، والمعروف
بنفسه هو نفس تلك الصورة ، وهو حال في محل حادث ممكن محتاج ، فكيف
يكون كنه حقيقة الباري تعالى شأنه ، فيكون قوله ( وكل قائم في سواه معلول )
كالدليل عليها ، وعلى الأولين يكون نفيا لحلوله تعالى في الأشياء وقيامه بها ،
لان القائم بغيره محتاج إلى الغير ، فكان معلولا له ولما يقيمه فيه . ويؤيد المعنى
الأول قوله عليه السلام ( بصنع الله يستدل عليه ) .
1 ) لأنه فطرهم على التوحيد ، كما في الحديث المشهور ، أو لأنه خلقهم على
حالة يضطرون إلى التصديق به ، لتكثر الأدلة في الآفاق وفي النفوس .
2 ) قوله ( خلق ) على صيغه المصدر ، أي : كونه خالقا لهم ولا يكون الخالق
بصفة المخلوق ، بل يكون مباينا له في الصفات صار سببا للاحتجاب عنهم .
وبالجملة فالحجاب هو نقصهم وما هم عليه من صفات الامكان التي لا
يقدرون معها على الوصول إلى حماه . نعم هذا الحجاب يتفاوت غلظا ورقة
بالنسبة إلى تفاوت مراتب الخلق في طريق السلوك إليه تعالى ، فالحد الأول بل
ران على قلوبهم وختم الله على سمعهم وابصارهم غشاوة . والحد الآخر لو
كشف الغطاء لما ازددت يقينا ، وبين الحدين بعد الخافقين ومن المراتب ما لا
يتناهى في البين .