من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا
إلى الله من موازرتك ، إذ حملتهم على الصعب ، وعدلت
بهم عن القصد ( 6 ) .
فاتق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان
قيادك ( 7 ) ، فإن الدنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة
منك ، والسلام .
قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني : فكتب إليه معاوية :
من معاوية بن أبي سفيان ، إلى علي بن أبي طالب .
أما بعد فقد وقفت على كتابك ، وقد أبيت على الفتن إلا تماديا ، واني
لعالم أن الذي يدعوك إلى ذلك مصرعك الذي لابد لك منه ، وان كنت
موائلا ( 7 ) فأزدد غيا إلى غيك ، فطالما خف عقلك ، ومنيت نفسك ما ليس لك ،
والتويت على من هو خير منك ، ثم كانت العاقبة لغيرك ( 8 ) واحتملت الوزر
بما أحاط بك من خطيئتك ، والسلام .
هامش
( 6 ) الا من فاء الخ : الا من رجع إلى الحق من أهل البصيرة والعلم .
والموازرة : المعاضدة . والقصد : استقامة الطريق وكون السالك على رشد .
( 7 ) القياد : ما تقاد به الدابة أي إذا قادك الشيطان إليه بقياد الهوى فجاذب
قيادك منه ، وامنع نفسك من انقيادها له .
( 8 ) لعله بمعنى : ناجيا . من قولهم : ( وال يئل وإلا ووئيلا ووؤلا - كوعد
يعد وعدا ووعيدا ووعودا - وواءل وئالا ومواءلة ) من كذا : طلب النجاة منه .
( 9 ) يقال : ( التوى عليه الامسر التواء ) : أعوج . اعتاص . والكلام إشارة
إلى قضية سقيفة بني ساعدة ونجاح الشيخين في أملهما وتغلبهما على منصب
أمير المؤمنين عليه السلام وندلهما حقه وحرمانه منه .