وجاهليتنا لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا ،
وهو قوله سبحانه وتعالى : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب الله ) [ 75 - الأنفال : 8 ] وقوله تعالى :
( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين
آمنوا والله ولي المؤمنين ) [ 68 - آل عمران : 3 ] فنحن
مرة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة .
ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة
برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم ، فإن يكن
الفلج به فالحق لنا دونكم وإن يكن بغيره فالأنصار على
دعواهم ( 18 ) .
هامش
( 18 ) الفلج - كفرس - : الغلبة والظفر . ويوم السقيفة هو اليوم الذي
مات فيه رسول الله تخلفوا عن جيش أسامة ، لينحتوا لرسول الله ( ص ) خليفة
من شاكلتهم حيث روى أن وصيه مشغول بتجهيزه ( ص ) فنازعهم الأنصار في
الامارة ، فاحتجوا عليهم بأنهم من عصبة رسول الله ( ص ) فهم أحق بخلافته
من الأنصار ، فغلبوهم بذلك على الرئاسة ، فأمير المؤمنين ( ع ) يحتج على معاوية
ومن أسس أصل امارته من الخلفاء ، ويقول لهم : ( إن كان اختصاص الخلافة
وتعينه من جهة القرب برسول الله ( ص ) فهي لي لأني أقرب إليه من الجميع ،
وإن كان استحقاق الخلافة واختصاصها من أجل جهة أخرى فالأنصار على
دعواهم ، فهم ظالمون في التقمص بقميص الخلافة على التقديرين ، أما على الأول
فلأجل غصبهم حقي ، وأما على الثاني فلأجل ردهم دعوى الأنصار وغلبتهم على
أمرهم بلا استحقاقهم .
وهذا الكلام مما نفث به أمير المؤمنين ( ع ) في مقامات كثيرة ، ومثله معنى
قوله عليه السلام في المختار ( 190 ) من قصار نهج البلاغة مخاطبا لأبي بكر :
( فوا عجبا أتكون الخلافة بالصحابة ؟ ولا تكون بالصحابة والقرابة )
وقوله عليه السلام .
فان كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب ؟ !
وان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب .
قال المحمودي : وأعجب من عمل أصحاب السقيفة ، تحريف أبناء النابغة ،
هذا الكلام الشريف ، من طبعة مصر ، من كتاب نهج البلاغة ، ولم يلتفت المساكين
ان الشرق والغرب مشحونان بنسخ نهج البلاغة مفردة ومشروحة ، مطبوعة
ومخطوطة ، وفى جميعها ذكر هذا الكلام على نهج الصواب ، ولم يدروا أن تحريف
هذا لا يصلح ما أفسده الدهر من خلفائهم ، لان الكلام مروي في غير نهج البلاغة
أيضا ، ولان شواهد هذا المعنى كثيرة ، ورذائل سلفهم جمة غفيرة ، ثم لو كان
أصل الكلام هكذا فأي معنى لالحاق الاشعار التالية به . وأي مورد للاستعجاب
بكينونة الخلافة بالصحابة والقرابة .