واعلم يا بني أن الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك
فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى ؟
إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ( 1 ) . وإن جزعت على ما تفلت
من يديك ( 2 ) فاجزع على كل ما لم يصل إليك . استدل على ما لم يكن
بما قد كان . فإن الأمور أشباه . ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا
بالغت في إيلامه ، فإن العاقل يتعظ بالآداب والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب .
اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين . من ترك القصد
جار ( 3 ) والصاحب مناسب ( 4 ) والصديق من صدق غيبه ( 5 ) والهوى شريك
العناء ( 6 ) * رب قريب أبعد من بعيد ، ورب بعيد أقرب من قريب .
والغريب من لم يكن له حبيب . من تعدى الحق ضاق مذهبه . ومن
اقتصر على قدره كان أبقى له . وأوثق سبب أخذت به سبب بينك
وبين الله . ومن لم يبالك فهو عدوك ( 7 ) قد يكون اليأس إدراكا إذا
شرح
( 1 ) منزلتك من الكرامة في الدنيا والآخرة ( 2 ) تفلت بتشديد اللام أي تملص من اليد فلم
تحفظه ، فالذي يجزع على ما فاته كالذي يجزع على ما لم يصله ، والثاني لا يحصر فينال فالجزع
عليه غير لائق فكذا الأول ( 3 ) القصد : الاعتدال . وجار : مال عن الصواب ( 4 ) يراعى
فيه ما يراعى في قرابة النسب ( 5 ) الغيب : صد الحضور أي من حفظ لك حقك وهو
غائب عنك ( 6 ) الهوى شهوة غير منضبطة ولا مملوكة بسلطان الشرع والأدب .
والعناء الشقاء ( 7 ) لم يبالك أي لم يهتم بأمرك . باليته وباليت به أي راعيت واعتنيت به
هامش
* وفي نسخة : والهوى شريك العمى