من النفس ، وأشخصها عن القلب ( 1 ) ، وغيبها عن البصر . وكذا من
أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده
ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساوي
الدنيا وعيوبها . إذ جاع فيها مع خاصته ( 2 ) ، وزويت عنه زخارفها مع
عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه ؟
فإن قال أهانه فقد كذب والعظيم ، وإن قال أكرمه فليعلم
أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب
الناس منه . فتأسى متأس بنبيه ( 3 ) ، واقتص أثره ، وولج مولجه ،
وإلا فلا يأمن الهلكة فإن الله جعل محمدا صلى الله عليه وآله
علما للساعة ( 4 ) ، ومبشرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة . خرج من الدنيا
خميصا ( 5 ) ، وورد الآخرة سليما . لم يضع حجرا على حجر حتى مضى
لسبيله ، وأجاب داعي ربه . فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم
علينا به سلفا نتبعه ، وقائدا نطأ عقبه ( 6 ) . والله لقد رقعت
شرح
( 1 ) أشخصها : أبعدها ( 2 ) خاصته اسم فاعل في معنى المصدر أي مع خصوصيته وتفضله
عند ربه . وعظيم الزلفة : منزلته العليا من القرب إلى الله . وزوى الدنيا عنه قبضها
وأبعدها ( 3 ) فتأسى خبر يريد به الطلب أي فليقتد مقتد بنبيه ( 4 ) العلم بالتحريك العلامة أي أن بعثته دليل على قرب الساعة حيث لا نبي بعده ( 5 ) خميصا : أي خالي
البطن كناية عن عدم التمتع بالدنيا ( 6 ) العقب بفتح فكسر مؤخر القدم .