ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذب لحمه ( 1 ) . وإن شئت
ثلثت بداود صلى الله عليه صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة ،
فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ( 2 ) ، ويقول لجلسائه
أيكم يكفيني بيعها . ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وإن شئت قلت
في عيسى بن مريم عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن
ويأكل الجشب . وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر . وظلاله
في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ( 3 ) ، وفاكهته وريحانه ما تنبت
الأرض للبهائم . ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا
مال يلفته ، ولا طمع يذله . دابته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأس ( 4 )
بنبيك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله ، فإن فيه أسوة لمن
تأسى ، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص
لأثره . قضم الدنيا قضما ( 5 ) ، ولم يعرها طرفا . أهضم أهل الدنيا
شرح
وزوى أي قبض ( 1 ) الصفاق ككتاب هو الجلد الأسفل تحت الجلد
الذي عليه الشعر ، أو هو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله . والتشذب : التفرق .
وانهضام اللحم : تحلل الأجزاء وتفرقها ( 2 ) السفائف جمع سفيفة وصف ، من سف
الخوص إذا نسجه ، أي منسوجات الخوص ( 3 ) ظلاله جمع ظل بمعنى السكن والمأوى
ومن كان كنه المشرق والمغرب فلا كن له ( 4 ) تأس : أي اقتد ( 5 ) القضم : الأكل
بأطراف الأسنان ، كأنه لم يتناول منها إلا على أطراف أسنانه ولم يملأ منها فمه ، أو بمعنى