يرجو الله في الكبير ، ويرجو العباد في الصغير ، فيعطي العبد
ما لا يعطي الرب . فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده ؟
أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا ؟ أو تكون لا تراه للرجاء
موضعا ؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا
يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، وخوفه من خالقهم ضمارا
ووعدا ( 1 ) . وكذلك من عظمت الدنيا في عينه ، وكبر موقعها في قبله
آثرها على الله تعالى فانقطع إليها وصار عبدا لها . ولقد كان في رسول الله
صلى الله عليه وآله كاف لك في الأسوة ( 2 ) . ودليل لك على ذم
الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ،
ووطئت لغيره أكنافها ( 3 ) ، وفطم عن رضاعها ، وزوي عن زخارفها .
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول
" رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " والله ما سأله إلا خبزا
يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل
شرح
لكنهم في رجاء الله وخوفه يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، مع أنهم يرجون الله
في سعادة الدارين ويخافونه في شقاء الأبد ، فيعطون للعبيد ما لا يعطون لله ( 1 ) الضمار
ككتاب من الوعود ما كان مسوفا به ( 2 ) الأسوة : القدوة ( 3 ) الأكناف : الجوانب .