وهو أنّ حضرة المشيئة المطلقة المستهلكة في الذات التي هي ظلّ « الله » الأعظم وحجابه الأقرب الأكرم وظهوره الأوّل ونوره الأتّم ، بحقيقتها مستهلكة في الحضرة الأحديّة ، نازلة إلى العوالم السافلات وبيداء الظلمات وهي مقام ألوهيّة الحقّ الأوّل في السماوات العلى والأرضين السفلى . ولا حكم لها بنفسها بل لا نفسيّة لها . فإن قلت إنّ الله تعالى ظاهر في الأكوان ومتلبّس بلباس الأعيان ، صدقت . وإن قلت إنّه تعالى مقدّس عن العالمين ، صدقت .
فعليك بتحكيم هذا الأساس والتحقّق بهذا المقام فإنّه من العلم النافع في أولاك وأخراك .
نور 10
وبالحريّ أن نشير إلى أصل الحقيقة بخرق الحجاب ، بلسان أصحاب السلوك العلمي من ذوي اللباب فإنّ طريقهم سهل المأخذ عند جمهور أهل الخطاب وإن كان طريق أهل الله أقرب إلى الصواب ، لكونهم رافضين للنقاب .
فنقول : لمّا كان الحقّ ، تعالى شأنه ، في كمال التقدّس عن الأوضاع والجهات وتمام التنزّه عن المكان والمكانيّات ونصاب الترفع عن الزمان والزمانيّات ، لم يكن نسبته تعالى مع فعله كنسبة سائر الفواعل مع أفعالها : فإنّ سائر الفواعل ، أيّ فاعل كان حيث كان ، في قيد الماهية وأسر التعيّن فمقام ماهيّته وذاتيّته يصحّح الغيريّة مع أثره وفعله فالفواعل الغير الواجبة بحسب مقام ذاتها الَّتي هي التعيّن والماهيّة منفصل الذات عن الفعل والأثر ، منعزل الحقيقة عن الَّذي فيه أثر وإن كان في هذه الفواعل أيضا مراتب في النوريّة والكمال ودرجات في الشدّة والضعف . فإنّ فواعل عالم الملك والطبيعة لكونها تحت حكومة الأبعاد المكانيّة وسلطان الجهات الإمكانيّة ، ولأسرها بقيد الهيولى والهيولانيّات وتقيّدها بقيود المادّة والمادّيّات وسلاسل الزمان والحركات ، صارت آثارها منعزل الوجود عنها وضعا ، ومنفصل الهويّة عنها مكانا . وهذا أعلى مراتب العزل والانفصال . وذلك لتشابك وجوداتها مع الأعدام وبعدها عن ساحة قدس الملك العلَّام .
مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية — صفحة 49
مساهمون: السيد الخميني
ص٤٩