الألوهيّة واستهلاكها تحت سطوع نور الربوبيّة ، لا حكم لها في نفسها بل لا نفسيّة لها أصلا . فهي ظهور الذات الأحدي في هياكل الممكنات على قدر استحقاقها وبروز الجمال السرمدي في مرآة الكائنات على قدر صفائها . وبها يكسو كسوة الإمكان ويتلبّس بلباس الأكوان فظهر ، واستتر ، وبرز ، وضمر ، وتجرّد ، وتمثّل ، وتوحّد ، وتكثّر .
فلقد أشار إلى ذلك ، بكمال اللطافة ، وأرمز ، حق الرمز ، بقوله تعالى : « الله نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ . » « 70 » فانظر بكمال المعرفة سرّها ، وتدبّر طورها وغورها ، كيف بيّن الحقيقة بألطف بيان وأعذب تبيان ، بحيث لا يتوحش عنها الأذهان القاسية ولا ينبو عنها الطباع الغير المستقيمة ، مع إظهارها لأهل الحقيقة والمعرفة وبيانها ، بأتمّ بيان ، لأصحاب القلوب والأرواح الصافية . فقال : إنّه تعالى ظهور السماوات والأرض . أي ، عالم الغيب والشهادة ، والأرواح والأشباح . فهو تعالى بكمال تقدّسه ظاهر في مرائيها وظهورها هو ظهوره تعالى . فانظر كيف مثّل نوره بالمصباح المجلوّ من خلف الزجاجة الرقيقة على البساط .
ولعمري إنّ فيها رموزا على حقائق يعجز عن ذكرها البيان ويكلّ عنه اللسان . وليست هذه الرسالة موضوعة لذلك فالأولى الكشح عنها وإيكال الأمر إلى أهلها .
نور 9
وأنت بما تلونا عليك من البيان ورفعنا الحجب عن بصيرتك بالعيان تقدر ، بحمد الله القادر المنّان ، على توفيق كلمات أصحاب الكشف والمعرفة الذوقي ، وأرباب الحكمة والطريق البرهاني . ألا ، وإنّها غير متخالف الحقيقة ، وإن كان القائل بها متفاوت الطريقة . فإنّ السلوك إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ، « 71 » وإن كان المقصد هو الله الخالق . حيث قال الطائفة الأولى في ذلك المقام إنّه ، تعالى قدسه ، ظهر في مرائي التعيّنات وملابس المخلوقات ، ومجلى الحقائق ومهبط الرقائق كما قال تعالى : « هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِله ٌ وَفي الأَرْضِ إِله ٌ . » « 72 » وعن النبي ، صلَّى الله عليه وآله وسلم : لو دلَّيتم بحبل إلى الأرض السّفلى ، لهبطتم على الله . « 73 »
وورد إشارة إلى ذلك أنّ معراج يونس ، على نبيّنا وآله وعليه السلام ، كان في
هامش
« 70 » - ( النور / 35 )
« 71 » - إشارة إلى الحديث النبوي ( ص ) : الطرق إلى اللَّه بعدد أنفاس الخلائق . شرح گلشن راز ، ص 153 . مقدمة شرح القيصري على الفصوص ، الفصل الثاني عشر .
« 72 » - ( الزخرف / 84 )
« 73 » - علم اليقين ج 1 ، ص 54 ( مع اختلاف يسير ) . مقدمة القيصري ، الفصل الأول .