ولا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار .
والمراد من الضلال في الآية الضياع والهلاك والضلال في تمشية مكرهم بالإهلاك لا في أمر دينهم حتّى يقال : إنّ هذا الدعاء يتضمّن الرضى بكفرهم وقد بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق أن يدعو اللَّه في ضلالهم وإن كان يمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأنّه بعد ما أوحي إليه أنّه لا يؤمن من قومك إلَّا من قد آمن ونظيره دعاء موسى بقوله :
« وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ » « 1 » ومن أحبّ عذاب الكافر وأحبّ موت الشرير بالطبع على الكفر حتّى ينتقم اللَّه منه لا ضرر فيه فيؤول المعنى « وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا » وغيّا ليزدادوا عقابا نظير قوله : « إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ » « 2 » وقد دعا عليه السّلام بهذا الدعاء بعد أن دعا الأبناء بعد الآباء بلغوا سبعة قرون فلمّا آيس من إيمانهم واخبر أنّهم لا يؤمنون دعا عليهم .
* ( [ مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ ] ) * أي من أجل خطيئات قوم نوح وكفرهم ومعاصيهم وما زائدة بين الجارّ والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم الظرف أي إغراقهم بالطوفان لم يكن إلَّا من أجل خطيئاتهم تكذيبا لقول المنجّمين من أنّ ذلك كان لاقتضاء الأوضاع الفلكيّة وهذا القول كفر لكونه مخالفا لتصريح هذه الآية ولزيادة « ما » الإبهاميّة فائدة غير التأكيد وهي تفخيم خطيئاتهم العظيمة ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة وجعل خطيئاتهم بدلا منها * ( [ أُغْرِقُوا ] ) * في الدنيا بالطوفان * ( [ فَأُدْخِلُوا ناراً ] ) * تنكير النار لتعظيمها أو المراد عذاب القبر عقيب الإغراق وإن كانوا في الماء فإنّ منّ مات في ماء أو في نار أو أكلته السباع أو الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب :
لا تعجبنّ لأضداد إذا اجتمعت
فاللَّه يجمع بين الماء والنار
أو المراد من النار نار جهنّم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقّب لاقترابه وتحقّقه * ( [ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ِ أَنْصاراً ] ) * وفيه تعريض باتّخاذهم آلهة من دون اللَّه وبأنّها غير قادرة على نصرهم * ( [ وَقالَ نُوحٌ ] ) * بعد أن قنط من اهتدائهم بالأمارات وبإخبار اللَّه إيّاه
هامش
( 1 ) يونس : 88 .
( 2 ) المائدة : 32 .