نزل جبرئيل إلى قرار الأرض فتوضّأ وتوضّأت ثمّ صلَّى وصلَّيت معه ركعتين وقال :
هكذا الصلاة يا محمّد فذكر ذلك صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لخديجة فذهب خديجة إلى ورقه بل نوفل وهو ابن عمّها وكان قد خالف دين قريش ودخل في النصرانية فجاء ورقه إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقال :
هل أمرك جبرئيل أن تدعو أحدا ؟ فقال : لا فقال ورقة : لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنّك نصرا عزيزا ثمّ مات قبل دعاء الرسول .
ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفّار قريش فقالوا : إنّه مجنون فأقسم اللَّه على أنّه ليس بمجنون وهو خمس آيات عن أوّل هذه السورة لكن قال ابن عبّاس : أوّل ما نزل « سبّح اسم ربّك » و « اقرأ » هي الثانية .
قوله : * ( [ وَإِنَّ لَكَ ] ) * بمقاساة تحمّلك أعباء الرسالة وألوان الشدائد من جهة الكفّار * ( [ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ] ) * وغير مقطوع ومنه قيل « المنون » للمنيّة لأنّها تقطع العدد والمدد ويجوز أن يكون معناه غير مكدّر بسبب المنّة .
* ( [ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ] ) * لا يدرك شأوه أحد من الخلق لأنّك تحتمل من جهتهم ما لا يكاد يحتمله أحد ودلَّت الآية على أنّك مستول على الأخلاق الحميدة والأفعال المرضيّة حتّى صارت بمنزلة الأمور الطبيعيّة ولذا قال : « قل لا أسألكم عليه أجرا وما أنا من المتكلَّفين « 1 » ، أي لست متكلَّفا فيما يظهر من أخلاقي لأنّ المتكلَّف لا يدوم أمره طويلا بل يرجع إليه الطبع وسمّي خلقا لرسوخه وثباته حتّى صار بمنزلة الخلقة الَّتي جبّل عليها الإنسان وإن احتاج في كونه ملكة راسخة إلى اعتمال ومجاهدة طويلة ولذا يتبدّل بالمصاحبة فيكون الحسن قبيحا والقبيح حسنا على حال المصاحبين كما في الحديث المرء علي دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وفي حديث آخر : لا تجالسوا أهل الهوى والبدع فإنّ لهم عرّة كعرّة الجرب ولذلك صنّف أطبّاء الأرواح أبوابا في علم الأخلاق لترتيب الصحّة الروحانيّة كما ألَّف أطبّاء الأشباح فصولا في علم الأبدان .
وإنّما وصف سبحانه خلقه بالعظمة كما وصف العرش والقرآن بالعظيم لبيان
هامش
( 1 ) ص : 88 .