فانشقّ بنصفين ثمّ قال : له أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك من الآجال والأعمال والأرزاق ثمّ ختم على القلم وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض ، وبعد ما خلق القلم خلق النون فدحي الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات واضطرب النون فمادّت الأرض فأثبتت بالجبال .
وعن ابن عبّاس أنّ المراد بالقلم قلم الكرام الكاتبين أو جنس القلم أقسم اللَّه بالدواة والقلم لكثرة منافعها كما قيل : البيان اثنان بيان لسان وبيان بنان وهو باق على الأيّام وبيان اللسان تدرسه الأعوام واو لم يكن للقلم مزيّة سوى كونه آله لتحرير كتب اللَّه لكفى به فضلا مرحبا لتعظيمه ومن تعظيمه تعظيم برايته فتوضع حيث لا تطأها الأقدام وإلَّا أورثت الآلام .
كفى قلم الكتّاب فخرا ورفعة
مدى الدهر ، أنّ اللَّه أقسم بالقلم
* ( [ وَما يَسْطُرُونَ ] ) * ما موصولة والعائد محذوف والسطر الصفّ من الكتابة ومن القوم الوقوف وضمير الجمع لأصحاب القلم من الحفظة الملائكة أو غيرهم ولعلّ مناسبة كون « ن » من أسمائه تعالى هي أنّ النون في الرقم نصف دائره محسوسه ونصف دائره معقوله تشعر نقطتها بأحدية ذاته تعالى والنصف المحسوس مظهر وظرف مداد عالم الخلق والنصف المعقول ظرف عالم الأمر فالمناسبة حاصلة .
قوله : * ( [ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ] ) * جواب القسم أي لست مجنونا وليس شيء حائلا بين نفسك وعقلك وأنت ملتبس بنعمة ربّك وهي نعمة النبوّة والرياسة العامّة والمراد تنزيهه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عمّا كانوا ينسبونه إليك حسدا ومكابرة مع كونه في غاية من حصافة العقل ورزانة الرأي وقوله : « بنعمة ربّك » قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم - على ما قال أبو حيّان - علي سبيل التأكيد في انتفاء الوصف الذميم عنه وذهب غيره أيضا أنّ الباء للقسم مثل شيخ نجم الدين في تأويلاته .
وقيل في النزول : إنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم غاب عن خديجة إلى حراء جبل النور قالت خديجة : فلم نجده صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فإذا هو قد طلع ووجهه متغيّر بلا غبار فقالت له : مالك ؟ فذكر نزول جبرئيل وأنّه قال : له اقرأ باسم ربّك فهو أوّل ما نزل من القرآن قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم :