تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
إنّها ليلة القدر ، وقال بعض : إنّ اللَّيلة المباركة ليلة البراءة وهي ليلة النصف من شعبان . أمّا الأوّلون فقد احتجّوا على صحّة قولهم بوجوه : الأول : أنّه تعالى قال : « إِنَّا أَنْزَلْناه ُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » وفي هذه الآية قال : « إِنَّا أَنْزَلْناه ُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ » فوجب أن يكون هذه اللَّيلة المباركة هي تلك المسمّاة بليلة القدر لئلَّا يلزم التناقض . الثاني : أنّه تعالى قال في صفة ليلة القدر : « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ » « 1 » وقال : أيضا هاهنا « فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » وهذا الكلام موافق ومناسب لقوله : « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ » وأيضا هاهنا قال : « أَمْراً مِنْ عِنْدِنا » وقال في تلك الآية : « بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ » وقال هاهنا : « رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » وقال في تلك السورة : « سَلامٌ هِيَ » وإذا تقاربت الأوصاف وتساوت وجب القول بأنّ إحدى اللَّيلتين هي الأخرى . والثالث : من الوجوه نقل محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن قتادة أنّه قال : نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان والتوراة لستّ ليال منه والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان واللَّيلة المباركة هي ليلة القدر . الرابع : أنّه إنّما سمّيت بالقدر لأنّ شرفها وقدرها عظيم ومعلوم أنّه ليس بسبب نفس ذلك الزمان لأنّ الزمان شيء واحد في الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته بل إنّما شرفه بسبب أنّه حصل فيه أمور شريفة عالية ومعلوم أيضا أنّ منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدنيا ، وأعلا منصبا في الدين هو القرآن لأجل أنّ به ثبت النبوّة وبه ظهر الفرق بين الحقّ والباطل وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء إلَّا والقرآن أعظم قدرا وأعلى شرفا فلو كان نزوله وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى وحيث
هامش
( 1 ) القدر : 4 - 5 .