واختلف في كيفيّة إنزاله فقيل : أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثمّ أنزل نجوما إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وقيل : إنّه كان ينزل جميع ما يحتاج في سنة في تلك الليلة ثمّ كان ينزله جبرئيل عليه السّلام شيئا فشيئا وقت وقوع الحاجة . وقيل : كان بدو نزوله في ليلة القدر . وروى ابن عبّاس وقال : قد كلَّم اللَّه جبرئيل في ليلة واحدة وهي ليلة القدر فسمعه جبرئيل وحفظه بقلبه وجاء به إلى السماء الدنيا إلى الكتبة وكتبوه ثمّ أنزل على محمّد بالنجوم في ثلاث وعشرين سنة وقيل : في عشرين سنة .
وإنّما وصف سبحانه هذه الليلة بالمباركة لأنّ فيها يقسّم نعمه على عباده من السنة إلى السنة فيدوم بركاتها والبركة نماء الخير وثبوته وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة ولها أربعة أسماء الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصلاة وليلة الرحمة ووجه التسمية بالبراءة لأنّ البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة كذلك يكتب اللَّه لعباده المؤمنين البراءة والصكّ .
قال الزمخشريّ : وهي مختصّة بخصال : تفريق كلّ أمر حكيم وفضيلة العبادة فيها قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : من صلَّى في هذه اللَّيلة مائة ركعة أرسل اللَّه إليه مائة ملك : ثلاثون يبشّرونه بالجنّة وثلاثون يؤمّنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان . ونزول الرحمة قال صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه يرحم أمّتي في هذه اللَّيلة بعدد شعر أغنام بني كلب وحصول المغفرة قال صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه يغفر للمؤمنين جميعا في تلك اللَّيلة إلَّا لكاهن أو ساحر أو مشاحن صاحب البدعة التارك للجماعة أو مدمن خمر أو عاقّ للوالدين أو مصرّ على الزناء وقد أعطي فيها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من تمام الشفاعة وذلك أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في امّته فاعطي الثلاث منها وسأل صلَّى اللَّه عليه وآله ليلة الرابع عشر فاعطي الثلاث ثمّ سأل ليلة الخامس عشر فاعطي الجميع إلَّا من شرد عن اللَّه شراد البعير ومن عادة اللَّه في هذه اللَّيلة أن يزيد في ماء زمزم زيادة ظاهرة ولا يخفى أنّ هذا الكلام ينطبق عند القائلين بأنّ ليلة القدر النصف من شعبان انتهى كلامه .
قوله : * ( [ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ] ) * أي مخوّفين بما أنزلناه من تعذيب العصاة * ( [ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ] ) * أي في هذه اللَّيلة يفصّل ويبيّن ويقضي كلّ أمر محكم لا يلحقه الزيادة
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 76
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٧٦