على قراءة ابن مسعود فقيل لابن عبّاس : إنّ ابن مسعود كذلك يقرء فقال ابن عبّاس : ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم وأجيب بأنّ غاية العذاب والضعف سبب ترخيمهم بحيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلَّا بعضها لا من باب العربيّة قال ابن جنّي : إنّ قولهم :
يا مال في هذا الموضع سرّ وهو أنّه لعظيم عذابهم فنيت قواهم وقصر كلامهم .
* ( [ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ] ) * أي ليمتنا ربّك حتّى نتخلَّص ونستريح من هذا العذاب قال ابن عبّاس وجماعة : إنّما يجيبهم مالك بذلك بعد ألف سنة وقيل : بعد أربعين عاما وما يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة فقول مالك مجيبا لهم : * ( [ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ] ) * أي لابثون دائما وقوله : « لِيَقْضِ » من قضى عليه إذا أماته كقوله : « فَوَكَزَه ُ مُوسى فَقَضى عَلَيْه ِ » « 1 » والمراد سل ربّك أن يقضي علينا .
فإن قيل : كيف قال : « وَنادَوْا يا مالِكُ » بعد ما وصفهم بالإبلاس « 2 » ؟ فالجواب تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدّة فيختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لعلَّة اليأس وعلمهم بعدم الفرج ويغوثون تارة لشدّة ما بهم وقوله : « ماكِثُونَ » استهزاء وإلَّا فالمكث يستعمل في الزمان القليل .
قوله : * ( [ لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ] ) * أي يقول اللَّه : لقد أرسلنا إليكم الرسل بالحقّ ، وأضافه سبحانه إلى نفسه لأنّه كان بأمره . وقيل : يقول المالك : وإنّما قال : « جِئْناكُمْ » لأنّه من الملائكة وهم من جنس الرسل والمراد من الحقّ القرآن والإسلام أي ولكنّكم معاشر الخلق أكثركم للحقّ كارهون لأنّ الحقّ خلاف مشتهياتكم فكرهتموه والباطل موافق لها فألفتموها وكرهتم مفارقته .
قوله : * ( [ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ] ) * أم منقطعة كلام مبتدء ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله معناها بل للانتقال في توبيخ المشركين أي بل أحكموا أمرا في كيد محمّد والمكر به صلَّى اللَّه عليه وآله * ( [ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ] ) * محكمون أمرا في مجازاتهم وكيدهم لأنّهم كانوا يتشاورون في إهلاكه صلَّى اللَّه عليه وآله وإيذائه في دار الندوة وهو قوله تعالى : « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
هامش
( 1 ) القصص : 15 .
( 2 ) أي في قوله مبلسون .