قالوا : إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى وإنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا يعبدون الملائكة .
الوجه الثالث : في تفسير الآية وهو أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله لمّا حكى أنّ النصارى عبدوا المسيح إلها لأنفسهم قال كفّار مكّة : إنّ محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله يريد أن يجعل لنا إلها كما جعل النصارى عيسى إلها لأنفسهم ثمّ عند هذا قالوا : أآلهتنا خير أم هو يعني آلهتنا خير أم محمّد وإنّما ذكروا ذلك لأجل أنّهم قالوا : إنّ محمّدا يدعونا إلى عبادة نفسه وآباؤنا زعموا أنّ عبادة الأصنام واجبة فعبادة هذه الأصنام متطابقة لقول آبائنا فقبول هذه العبادة من الأصنام أولى من قبول قول محمّد .
ثمّ بيّن سبحانه أنّ الاشتغال بعبادة المسيح باطل مثل عبادة الأصنام فإنّ عيسى عليه السّلام عبد أنعمنا عليه فقال : * ( [ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْه ِ ] ) * أي وما عيسى إلَّا كعبد من العبيد فصار من أمره أنّه ممّن أنعمنا عليه بالنبوّة وخصّصناه ببعض الخواصّ البديعة بأن خلقناه بوجه بديع وقد خلقنا آدم بوجه أبدع منه فأين هو من رتبة الربوبيّة ومن أين يتوهّم صحّة مذهب عبدته حتّى تفتخر عبدة الملائكة بكونهم أهدى منهم .
وفي خلقة عيسى آية لهم ودلالة يعرفون بها قدرة اللَّه فقال : * ( [ وَجَعَلْناه ُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ] ) * أي جعلنا عيسى آية لهم حتّى يرون من أعاجيب صنع اللَّه .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ] ) * أي لو أردنا لجعلنا بدلا منكم معاشر بني آدم * ( [ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ] ) * بني آدم أي كنّا نجعل الملائكة بدلا من بني آدم في الأرض أي نهلككم يا بني آدم وجعلنا الملائكة سكّان الأرض يعمرونها ويعبدون اللَّه ومثل قوله : « مِنْكُمْ » ما في قول الشاعر :
فليت لنا من ماء زمزم شربة
مبرّدة باتت على الطهيان
وقيل : معنى الآية ولو نشاء لجعلناكم أيّها البشر ملائكة إشارة إلى قدرته تعالى على تغيير بنية البشر إلى بنية الملائكة ، يخلفون أي بعضهم بعضا .