تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم قوام أمر العالم وقد جعلنا هذا التفاوت بين العباد في القوّة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول وإنّما فعلنا ذلك لأنّا لو سوّينا بينهم في كلّ هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم مسخّرا لغيره وحينئذ يقضي ذلك إلى خراب العالم ثمّ إنّ أحدا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على خروج من قضائنا فإن عجزوا عن الاعتراض على حكمنا في أحوال الدنيا مع قلَّتها ودناءتها فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا في أمر النبوّة ومنصب الرسالة ؟ وما ظنّهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد من مناط العيّوق وأعزّ من بيض الأنوق فمن أين لهم البحث عن التعيين في شخص الرسول ؟ * ( [ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ] ) * أي النبوّة وما يتبعها من سعادة الدارين خير ممّا يجمعون من حطام الدنيا الدنيّة الفانية فهذه الرحمة الخاصّة وهي النبوّة خير من الأموال الَّتي يجمعونها لأنّ الدنيا فانية ورحمته باقية أبد الآباد . قوله تعالى : * ( [ وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ] ) * ولولا أن يجتمع الناس على الكفر فيكونوا كلَّهم كفّارا على دين واحد لميلهم إلى الدنيا وحرصهم عليها ولولا أن يجتمع الناس على اختيار الدنيا على الدين * ( [ لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ] ) * أي كنّا جعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن سقفا من فضّة ، السقف جمع السقيفة مثل السفن جمع السفينة . وقيل : اللام الثانية بمعنى « على » فحينئذ المعنى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن على بيوتهم سقفا من فضّة * ( [ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ] ) * أي وجعلنا سلاليم ودرجا من فضّة عليها يعلون ويصعدون . * ( [ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً ] ) * من فضّة على تلك السرر يتّكئون * ( [ وَزُخْرُفاً ] ) * قال ابن عبّاس وجماعة : الزخرف الذهب وهو عطف على محلّ من فضّة . وقيل : الزخرف النقوش وقيل : الفرش ومتاع البيت وتكرير ذكر بيوتهم لزيادة التقرير والتأكيد . وبالجملة لولا وقوع كثرة الكفر لكنّا نعطي الكافر غاية ما يتمنّاه في الدنيا لقلَّتها وحقارتها لكنّه لم يفعل سبحانه لما فيه من المفسدة . ثمّ أخبر أنّ جميع ذلك إنّما يتمتّع به في الدنيا فقال : * ( [ وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ