المعنى : هذا نوع آخر من كفريّاتهم وهو أنّهم قالوا : إنّ رسالة اللَّه منصب عظيم شريف فلا يليق إلَّا برجل شريف وقد صدقوا في ذلك إلَّا أنّهم ضمّوا إليه مقدّمة فاسدة وهي أنّ الرجل الشريف هو الَّذي يكون كثير المال والجاه ومحمّد ليس كذلك فلا يليق رسالة اللَّه به وإنّما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال في إحدى القريتين وهي مكّة والطائف قال المفسّرون : والَّذي بمكّة هو الوليد بن المغيرة والَّذي بالطائف هو عروة ابن مسعود الثقفيّ .
فأبطل اللَّه شبهتهم بقوله : * ( [ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ] ) * تعجيب من تحكّمهم والمراد من الرحمة النبوّة أي إنّه سبحانه يقسّم النبوّة وليس بأيديهم مفاتيح النبوّة فيضعونها حيث شاؤوا .
ثمّ قال : * ( [ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ] ) * على حسب ما علمناه من المصلحة وليس لأحد أن يتحكّم في شيء من ذلك فكما فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق فكذلك اصطفينا للرسالة من نشاء * ( [ وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ] ) * أفقرنا البعض وأغنينا البعض فتلقى ضعيف الحيلة عيّ اللسان وهو مبسوط له وتلقى شديد الحيلة بسيط اللَّسان وهو مقتر عليه :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
كم جاهل جاهل تلقاه مرزوقا
وحاصل المعنى أنّ رزق الدنيا مع قلَّة خطره لم يفوّض إليهم بل جعلناه على وفق ما توجبه الحكمة والمصلحة فكيف نفوّض اختيار النبوّة إليهم مع عظم محلَّها وشرف قدرها ؟
قوله : * ( [ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ] ) * أي إنّ الحكمة في اختلاف الرزق بين العباد زيادة على ما فيه من المصالح فيه تسخير من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليه ليستخدم